كتاب وأراء

التنمر ضد الكينج

سمعت عمن يلتبس عليه الفرق بين مفهوم التنمر والإيذاء، حتى يرادف بينهما، بل يحسب التنمر أو الـ Bullying، ما هو سوى صرعة من صرعات المصطلحات الحديثة من محبي التفاخر بالـ
New terminology، وهو أمر بعيد كل البعد عن الدقة، إذ شتان بين متنمر ومؤذٍ.
فالإيذاء يصدر من الحبيب والعدو على السواء، عدا أن الإيذاء يكون ناتجاً عن قصد أو عن دون قصد، بعكس التنمر والذي هو شكل من أشكال الإيذاء إلا انه لا يصدر إلا عن عدو كاره، كما أنه يتحرى خلاله الترصد والتحين كما وسبق الإصرار فيما الإيذاء يصدر بشكل عشوائي غير مقصود.
فالإيذاء قد يصدر عن حبيب شخصيته بالأساس عصبية، تصدر عنه أفعال بـ «غشومية» ويعجز عن السيطرة عن انفعالاته، فيما المتنمر هو شخص أو مجموعة واعية تمام الوعي لأفعالها ولردود أفعالها، بل إنها قد تستدرج الضحية ببرود وبثبات انفعالي للخطأ. فالمتنمر ليس حريصاً على إهانة ضحيته بقدر حرصه على إيقاعه في الخطأ لإحراجه تكسباً من أخطائه.
التنمر سلوك عدواني متكرر يهدف إلى إيذاء شخص آخر بالقول أو الفعل للسيطرة على الضحية وإذلالها ونيل مكتسبات غير شرعية منها، وخطورته تكمن في كونه عملاً مخططاً وخصومته طويلة المدى فيما الإيذاء قد يكون غير مخطط له كما يصدر أحياناً نتيجة لفهم خاطئ.
بينما المؤذي فخصومته وقتية، لذا، فالمؤذي قد يعتذر صادقاً لو تأكد من أن انفعاله تجاه الضحية كان ناتجاً عن سوء فهم منه، فيما المتنمر أكثر خبثاً ودهاءً؛ حيث إنه يؤذي سراً ويظهر اعتذاراً كاذباً علناً.
فعلى سبيل المثال، قد تعاير إحداهن زوجة أخيها: لمَ لا تهتمين بأظافرك، فمظهر يدك ذكوري، أو ليتك تحاولين لإنقاص وزنك؛ فقد اصبح شكلك قريباً من «السومو»، كما أن السمنة هي سبب عقمك؟ وتنهال عليها بكلمات توبيخية. فتعتزل المسكينة الحياة الاجتماعية، فتدعوها زوجة الأخ لحضور حفل عيد ميلادها، فتمتنع خشية التنمر بها، وإذا بأخت الزوج، تسال أخاها بكل براءة: لما لم تحضر زوجتك حفل عيد ميلادي؟ عمومًا، فلقد أحضرت أنا لها هدية.
فخطة التنمر قد تستهدف عطاء وبذلاً لاستدراج الضحية لموقف تبدو فيه مخطئة مع طمس أسباب عزلتها.
المتنمر قد يكون زميلاً لك يبدي لطفاً ولكنه كالأصداف وإن نعمت أضلاعه، إلا أنه يخلو من اللؤلؤ.
فهو خبيث له نفسان: واحدة كالعجين وأخرى دونها الحجر، كما ورد عن جبران: يتدرع بالوداعة وهو صلف، حجر.
المؤذي أسد شريف لا يهاجم من الخلف، بل يمشي بتؤدة تجاه فريسته، بينما المتنمر، نمر وضيع يتحين فرصة ضعف الضحية ولا ينقض إلا سريعا ًوعلى غفلة لعجزه عن مواجهة الأسود..
المتنمر متحين للفرص، ويصفونه بأنه Bounties hunter.
فهو يتكسب حتى من المعلومات، فلو أخبره مرؤوسه أنه أحضر غداء للزملاء، ابتسم وأخبره بأنه سيتبعه لقاعة الاجتماعات بعد لحظات يكون خلالها قد اتصل بسائر الزملاء ليدعوهم هو على الوليمة ليعطي الانطباع بأنه هو صاحب العطاء.
المتنمر خناس وسواس،عشار يسعى للتكسب كما يهادن ويصادق أعداءه متى استطاع التكسب منهم، بل يلوح بالسلام لو تقاسم الأعشار.
والمتنمر قد يكون فرداً أو مؤسسة تتربص بـ «كينج» وتخاطبه علناً بنبرة شديدة اللهجة، فلو انصاع ودفع المليارات، غضوا الطرف عن جرائم الكينج وقالوا: من كان منكم بلا خطيئة، من كان منكم بلا منشار فليرمه بحجر، أما لو خالفهم، فساعتئذ، يتربصون ضده بدعوى حقوق الإنسان.
المتنمر لا مبادئ له؛ فقد يغري خصمه بالدفاع عنه لو اتفقت مصالحهما، فهو قادر على أن يحول سمعتك إلى شنار وبالمقابل قادر لرفعك لمصاف الأبطال، كزوجة تتلاعب «بالماريونات» فحين تسعى للانفصال عن زوجها، تصوره كإبليس لتقلب عليه عداوة أهلها فيلعنوه ويعادوه، لكنها يوم تريد العودة إليه، يمطر لسانها بالأكاذيب لتظهره بمظهر القديس، فيرحبون به ويودونه.
فالمتنمر لا مبادئ لديه وشريعته هي شريعة الغاب، أما المؤذي فقد يغضب عن جهل ويعتذر بصدق، فيما اعتذار المتنمر، هو اعتذار صوري، مدفوع الثمن له مسبقاً ومقايض عليه.
كاتبة مصرية

داليا الحديدي