كتاب وأراء

موسم الهجرة إلى بلاد سايكس ــ بيكو

هل كانت دول الشرق الأوسط تعاني ما تعانيه اليوم من صراعات وانقسامات داخل الحدود، وعبرها لو لم تقسم المنطقة في عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا (اتفاق سايكس - بيكو) على النحو الذي قسمت عليه؟ صحيح أن عملية التقسيم جرت في عام 1916، الا ان ثمن تداعياتها تدفعه الآن إلى جانب الدول التي ولدت من رحم تلك العملية، الدول التي قامت بها في الاساس، وخاصة فرنسا وبريطانيا.
عندما تداعت الامبراطورية العثمانية «وتكالبت على قصعتها «القوى الكبرى في القرن الماضي، لم يحدث ذلك من دون ثمن. بدأت معركة التكالب في مطلع شهر تموز – يوليو من عام 1916 في «معركة السوم» التاريخية الشهيرة. ففي تلك المعركة التي قاتل فيها البريطانيون والفرنسيون جنباً إلى جنب ضد القوات الألمانية، سقط مئات آلاف من القتلى في أيام معدودة. واعتبرت تلك المعركة واحدة من المعارك الأشد دموية في تاريخ الحرب العالمية الأولى كلها.
أراد الفرنسيون والبريطانيون التعويض عن خسائرهم البشرية الباهظة بالاستيلاء على الامبراطورية العثمانية حليفة ألمانيا في تلك الحرب. فعمدت الدولتان إلى تقاسم والى تقسيم تلك الممتلكات. وهي المهمة التي انجز تخطيطها وتنفيذها الدبلوماسيان الفرنسي فرانسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس.
ولكن عملية التقاسم والتقسيم كانت وبالاً على شعوب المنطقة ذاتها. فكانت عملية زرع الكيان الاسرائيلي في قلب العالم العربي فلسطين،. وكانت صناعة الكيانات السياسية التي ما قدرت ان تتحول إلى أوطان. فكانت الحرب على العراق في عام 2003، ثم كانت الحرب في العراق بعد انسحاب القوات الأميركية. وكذلك كانت الحرب في سوريا 2011، ثم الحرب على سوريا في عام 2015، وما تزال كل هذه الحروب مستمرة حتى الآن شرقاً من اليمن إلى ليبيا غرباً.
وما يقال عن العراق وسوريا، يقال عن لبنان الذي مرّ بالنوعين من الحروب منذ عام 1958 حتى اتفاق الطائف 1998.. بل وما بعد اتفاق الطائف أيضاً. فالأزمة التي عطلت انتخاب رئيس للجمهورية طوال عامين –حتى الآن- ليست مجرد أزمة داخلية تنافسية، ولكنها أزمة كيانية تعكس طبيعة الصراع حول مفهوم الدولة ودورها في لبنان منذ أن أعلن الجنرال الفرنسي غورو ولادتها في مطلع سبتمبر 1920 من على درج المبنى الذي كان يقيم فيه في بيروت (قصر الصنور) وهو المبنى الذي تشغله اليوم السفارة الفرنسية في لبنان كمقر للسفير.
غير أن تركيا اليوم تحاول ان تعوض ولو جزءاً من خسائر الامبراطورية العثمانية. وذلك من خلال توظيف قضية المهاجرين السوريين عبرها إلى أوروبا.
وقد حققت بالفعل نجاحاً محدوداً في ذلك. فالاتفاق التركي مع الاتحاد الأوروبي ينص على ثلاثة بنود أساسية:
1 - ان تحتفظ تركيا باللاجئين ولا تسهل مواصلة هجرتهم إلى أوروبا.
2 - ان تحصل تركيا بالمقابل على حوافز مالية مغرية.
3 - وأن تحصل كذلك على تسهيلات لدخول الرعايا الأتراك إلى الدول الأوروبية من دون تأشيرة، وهو الأمر الذي كان مرفوضاً من حيث المبدأ.
ربما تكون تركيا قد انتقمت لعثمانيتها – ولو جزئياً – بموجب هذا الاتفاق. الا ان فرنسا وبريطانيا لا تزالان تدفعان ثمن سايكس – بيكو من خلال تدفق المهاجرين اليهما من دولتين كانتا مسؤولتين في الأساس عن الاخطاء التي رافقت ولادتها.
وتلعب عوامل عديدة أخرى أدواراً أساسية في زيادة هذه التعقيدات، ومنها:
أولاً: غياب المشروع العربي الموحد أو حتى الرؤية العربية المشتركة للمستقبل الواحد.
ثانياً: التنافس الاقليمي الثلاثي – الاسرائيلي – الإيراني – التركي من اجل الهيمنة وتوسيع النفوذ على حساب التراجع العربي.
ثالثاً: التباين الأميركي – الروسي في مقاربة كل منهما لمشروع الشرق الأوسط الجديد، على النحو الذي تعكسه انكفائية أوباما من جهة واقدامية بوتين من جهة أخرى.
والسؤال الذي يفرض نفسه في ضوء ذلك هو: ما هو عدد الضحايا الذي سيدفعه الشرق الأوسط حتى تتم ولادة اتفاق (سايكس – بيكو) روسي – أميركي جديد؟

بقلم : محمد السماك

محمد السماك