كتاب وأراء

الْــمَـــا يجْــــرِي قُــــــدَّامِــــي

مَواسِمُ الحُبّ (الحُلْوَة- المالحة) تِلْكَ البالِغة سَقْفَ الهيام بِعُذوبة بُحَّة طيورها الصادِحة في سماء الأحلام تَقولُ للقلب: «غَنِّ»، فَتُصَفِّقُ الأُذُنان، وتُرَدِّدَان باهتمام: «يا سَلام! ياااااااا سَلام».. ومناسَبَةُ الكَلام؟! إنَّه صوت أُنْثَوي قَلَّمَا تَجودُ به قيثارةُ الأَيَّام، صوت دافئ هو ذاك الذي يَتَّشِحُ بمنديل شِعر غِنائي حالِم، يزفّ إليكَ معزوفةَ حُبّ قادمة مِن أقصى بلاد المغرب، على ظهر غيمةِ أُذُن موسيقية، أُذُن تَعرفُ كيف تُفَصِّلُ فستانَ نشوتِكَ وهي تَعزفُ على ناي أوتارها الصوتية وتُطْرِب. إنه المغرب، وفي المغرب لا تُجَرِّبْ أن تَسْتَغْرب وأنتَ تُحْصِي وتعدّ عَطايا السماء مِن إحساس وبَهاء يُزَيِّنان أصوات النساء مِن سيدات الطَّرَب والغِناء، هُنَّ اللواتي جُدْنَ، فأَجَدْنَ، هُنَّ اللواتي سِرْنَ صُعودا في اتجاه القِمَّة، فَأَسَرْنَ بِكُلّ اتِّزان وحِكمة. لِنَقُلْ إنَّه التأسيس، ولْتَكُن الإشارة هنا إلى رائدات الطرب المغربي، وهذه واحدة منهن «بهيجة إدريس». لِنُسَمِّها الزنبقةَ الناضِحَة شُموخاً وقد تَفَتَّحَتْ في أيام صَعبة لم يَكُنْ مِن السَّهل على الفَتاة أن تُطرِبَ وتُجيدَ، وتُبْهِرَ وتَسُودَ، هي بهيجة إدريس تلك الرَّيحانة التي ضَاعَ صوتُها ضَوْعاً، وحفرَتْ في الصَّخر لِتَكتبَ تاريخَ صوت ثابَرَ وتَكَوَّنَ، وأَبْدَعَ وتَفَنَّنَ. بهيجة إدريس جِسْرٌ مِن جُسور الأصوات الذهبية التي تَرَسَّخَتْ دعاماتُها بِقُوة على نَهر حُبٍّ دافق بِزُمُرُّد القلب، إنه الإحساس ذاك الذي يَنْعَكِس فيه مِرْآويا بَذخُ الموسيقى وارتقاؤها ونقاؤها. في كل وقتٍ وحين، تُحْيِيكَ أصواتُ الحناجر الذهبية تلك التي تَنهل مِن ماءِ وهواءِ وطبيعةِ بلاد المغرب هذا الذي نَسْكُنُه ويَسْكُنُنا، نَتَنَفَّسُه بِرِئَة ثالثة، نَعْشَقُه حتى النُّخاع، ونَعْبُدُه حتى العَظْم، فإذا بِكُلّ حَبَّةِ تُراب فيه يَتَمَدَّد لسانُها صارخا بِلُغَة العشق حالِفاً أَلاَّ يَتَعَرَّى مِن جِلْباب البَوْح: «أَهْوَاااااكَ، وأَهْوَاكَ».. إنَّه مَوْعِدٌ مع الشامخات، وإنَّه تاريخُ بهيجة إدريس يَتحدث عن نفسه.. بهيجة إدريس هذه ما هي إلا حَمامة سَلام حَلَّقَتْ مِن أرض السَّلام في اتجاه القلوب العَطْشى إلى شيءٍ مِن الصفاء الذي يُعيد إلى شواطئ الرُّوح امتلاءَها: «الْمَا يْجْرِي قُدَّامي صَافي مثْل البْلاَّر وَأنَا قَضِّيتْ أيَّامي عطشانة مكْوِية بالنار.. بالله عليك يا الهاربْ ما ترْجَع حتى تجَاوبْ قلبي فِي حُبّك ذايبْ فيه عجايبْ وفيه مصايبْ بالله عليك.. مكوية بالنار وعطشـــــــــــــــــــــــــانة مكوية بالنَّار.. خيالُه دِيما معايَا يمشِي ويحضرْ قُدَّامِي ما يرحَمْش بلايَا ما يردّ عليَّ سلامي خيالُه.. قلبُه فرحانْ وقلبي دامِي.. تنمُوت وهُوَ حدايا تنمُوت عمرُه ما عرف دوايَا.. مكوية بالنار وعطشــــــــــانة.. يا قلبي يا اللِّي انْتَ مظلُوم لِلَّه قول لِي بْعْدا شْحَالْ عندك من الهمُوم وشْحالْ عندك من غْدَّا واللِّي سرق لك النُّوم راهْ ما عندو كْبْدَا واللِّي ما قتلك اليُوم غَادِي يقتلك غْدَّا.. قلبي المظلُوم دِيما مهمُوم.. مكوية بالنار وعطشانة.. يا قلبي زِيدْ فْ هواك وسهر ليالي معايا يا عيني زِيدي فْ بكاك الحُبّ ما فيه شفايا.. مكوية بالنار وعطشانة..» [بهيجة إدريس، أغنية «عطشانة»]. مِن كلمات محمد الغربي، وألحان محمد بن عبد السلام، وغناء المقتدرة بهيجة إدريس، يَدْعُو التاريخُ إلى طاولةِ سَمَر تحت ضَوءِ القَمَر طُلاَّبَ القِطَع الفنية الخالدة، تِلْكَ التي لا يُمكِن إلا أنْ تُعَشِّشَ في الذاكرة مُسَلِّطَةً ما يَكفي مِن أضواء على أيَّام الْمَجد الفني الزاهرة. لا تَمرُّ الأوقات إلاَّ وتَعزف الذات على وَتَر الأبيض والأسود مُدَنْدِنَةً بِأَشْهَى الكَلِمات تِلْكَ التي يَسيل لها لُعابُ القلب التَّوَّاق إلى كَعْكَة الحُبّ، الحُبّ الذي يُحْيِي ويُميت، الحُبّ الذي يُصَيِّرُه العُشَّاقُ فلسفةَ وُجودٍ وتاريخَ ميلادِ قلبٍ ولسانَ ثقافةٍ محظورةٍ في مَنظومة مُجتمعاتٍ، ما أَكْثَرَها، مجتمعات لم تَكُنْ لِتَتْرُكَ لِلذَّات فُرصةَ أن تُصَفِّقَ للحُبّ على مَدار رَحى الزَّمن الصَّعب. مع بهيجة إدريس، جَرَّبْنا أنْ نُمَرِّنَ أصواتنا على الغناء، بل رُبَّما صَيَّرْنا الغناءَ تربيةً رِياضية يُبَرِّرُها الحِرصُ اللاَّمُتَنَاهِي مِنَّا على أن نُفَصِّلَ لِأَداء «عطشانة» أو «الْمَا يجْرِي قُدَّامي» أكثر مِنْ تَنُّورة صَوتية، أكثر مِنْ فُستان حَرير بِخُيوط الإحساس، أكثر مِنْ حِذاء ذِي كَعبٍ عالٍ يَصمد صُمودَ الوَالِهين الحَيَارى، ونَحْنُ نَتَصَبَّبُ إعجابا بِرائِدَة الأغنية المغربية تِلْكَ التي شَكَّلَتْ للباحثين عن رَفيف الحُلم الطائر بِلاَ أجنحةٍ عَمودَ نورٍ ومَنارَة. غَنَّيْنَا لِبَهيجة إدريس، وما زِلْنا نُغَنِّي لها كُلَّمَا عَقَدْنا الْمُصالَحة مع نُفوسنا التَّوَّاقة إلى حَبْل سُرِّي يَربطنا بذاكرتنا الطَّرَبِية الْمُستيقِظة كَجَذْوَةٍ لن يَكونَ لها إلا أنْ تَنْجُوَ مِن كُلّ ما مِن شَأنِه أنْ يُطْفِئَها ويُقْبِرَ أَلْسِنَتَها التي قد يَتَعَطَّل فيها أيّ شيءٍ ما عَدا لُغة الكلام. عِندما يَستيقظ مارِدُ الحُبّ فِينا لا نَجِدُ إلاَّ أنْ نُقِيمَ له سهرةً روحية نُمَجِّدُ فيها ُصُنَّاعَ المعجِزة القَلْبِية ونُغَنِّي هَمْساً: «عطشانة».. وعندما تَسقط أسنانُ الحُبّ وتَذبلُ شفاهُه لا نَجِدُ إلاَّ أنْ نُخْمِدَ لوعةَ الفَقْد ونُغَنِّيَ همساً: «الما يجري قدامي» ونَحْنُ نَتَحَسَّرُ بِمَرارة على غِياب وابلٍ (أو حتى طَلّ) يَسمح لنا بالاغتسال مِن وَقْع الإحساس بالخطيئة، ولا خطيئة أَكْبَر مِن أن نُضَيِّعَ حُلْماً لا وَهْماً.. هكذا غَنَّيْنا لِزَمن بهيجة إدريس، وما زِلْنا، غَنَّيْنا لِنُعَبِّرَ، وما زِلْنا: - نُغَنِّي لِنُعَبِّرَ عن القلب في حالة حُبّ.. - نُغَنِّي لِنُعبر عن القلب في حالة حَرب.. - نُغَنِّي لِنُعبر عن تهادينا في قارب الأمَل على أمواج الألَم.. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن تَلَظِّينا في نار النَّوى.. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن تَشَظِّينا في رِمال الهَوى.. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن تَرَقُّبِنا الْمُضْني لِحَمَام لا يَنام.. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن رغباتنا في لَيْلٍ لا تَنْطَفِئُ شُموعُه ولا تَتَوارَى نُجومُه مُسْتَحِية. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن مُحيطِ حَنينٍ تُسَيِّجُه الأَضْلُعُ الْحَرَّى لِتَمُوجَ فيه عواصف انتظارنا للذي قد يَأتي ولا يَأتي. - نُغَنِّي لِنُعَبِّر عن لُغَةِ الصمت الجاثِم في مَعْبَد الذات ذاك الْمُتَأهِّب لِأَيّ انْفِلات قد تَقُودُ إليه الخُطوات الهاربة بِنا في لحظات يَعْمَى فيها القلبُ لا العَيْن.. - نُغَنِّي لِنُعَبِّرَ.. ونُعَبِّرَ.. ونُعَبِّرَ. لا سماء تَكْفِينا إِلاَّ وأنّات النَّأي الأَبِيّ الْمُحْتَرِقة تَحرسنا وتَحكي بِلِسانها عن الوَحْشَة السَّاكِنة فينا.. لا سماء تُرْضِينا إلاَّ والعُود الْحَيِيّ يُلْبِسُ ساقَ الطبيعة خَلْخَالاً ذهبيا يزفّ إلى وَرد الخدّ نشيدَ الْحُرِّية.. لا سماء تُحْيِينا إلا والكَمان الشَّجِيّ يَسبق قَدَمَيْ الروح إلى ظِلّ شجرة الخلود النَّفسي تِلْكَ التِي تَبْعَثُ على قَطْفِ ثمارِ النَّشْوَة واعتِصار حَبَّاتها حَبَّةً حَبَّةً لِتَمْلَأَ الرُّوحَ ثمالةً كما تَصنع كأسُ نَبيذٍ مُعَتَّق بَصَمَتْهُ داليةُ الشَّوْق بِعِنَبِ العِشْق الْحَارّ.
بقلم: سعاد درير

سعاد درير