كتاب وأراء

الرفض الشعبي لجرائم الاستبداد

تتصاعد في تونس دعوات شعبية ورسمية لرفض الزيارة التي يقوم بها ولي العهد السعودي إلى البلاد في إطار جولة عربية يسعى من خلالها إلى تحسين صورته وصورة المملكة بعد الضرر الكبير الذي أصابها بسبب حرب اليمن وما خلفته من مآس وكوارث لا تحصى. لكن السبب الأساسي لهذا الرفض الشعبي إنما يتمثل في الجريمة الأخيرة التي ارتكبها النظام السعودي في حق الكاتب والصحفي جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بتركيا. وهي جريمة فاقت في بشاعتها كل الجرائم الارهابية التي كانت تمارسها الجماعات الإرهابية في مجال الثورات العربية.
هذا الرفض الشعبي إنما يعكس الوعي المتنامي بسطوة الأنظمة القمعية وبأنها أنظمة تشتغل خارج التاريخ ولم تعد قادرة اليوم على الاستمرار بسبب الكوارث التي تسببت فيها على مدار عقود من الزمن. لكن الحالة السعودية تمثل حالة خاصة من بين الحالات العربية بحكم وزن المملكة المادي وحجم ثرواتها الطبيعية مقارنة بالدول العربية الأخرى. المملكة هي أيضا مكوّن أساسي من مكونات النظام الرسمي العربي وهي التي ترسم وتوجه الأداء السياسي للدول العربية منذ ما يزيد عن نصف قرن. لكن الدولة العربية الأكبر عرفت إثر ثورات الربيع انتكاسة كبيرة بسبب دعمها للانقلابات العسكرية خاصة في مصر وتورطها في حرب اليمن وحصارها غير الانساني لجارتها قطر إلى غير ذلك من المغامرات السياسية الداخلية التي اتسمت بالقمع والتنكيل بالمعارضين والمفكرين.
هذا الوضع الجديد لصورة المملكة ووزنها عربيا ودوليا يمثل خطرا كبيرا لا على الدولة فحسب بل على كل المنطقة الخليجية وعلى المنطقة العربية بشكل أعمّ. لقد عجز النظام السياسي السعودي عن تحسين صورته عبر الصفقات والهبات وعقود التسليح التي فاقت قيمتها مئات المليارات من الدولارات بل إن صورة المملكة اليوم أصبحت رديفا للقتل والتعذيب والتقطيع. وهو ما يشكل ضربة كبيرة لا تقتصر على صورة بلاد الحرمين بل تشمل الإسلام والمسلمين أيضا لارتباط صورتهم عالميا بصورة الأماكن المقدسة.
إضافة إلى الرفض الدولي لممارسات النظام السعودي داخليا يتجدد الرفض الشعبي لهذه الممارسات وهو ما عبرت عنه الجماهير الشعبية في تونس والجزائر ومصر من رفض مطلق لاستقبال ولي عهد السعودية لأنها تعتبر ذلك تطبيعا مع الجرائم التي يرتكبها هذا النظام في حق شعبه وفي حق الشعوب المسلمة الأخرى. إن هذا الرفض يؤكد أن النظام الرسمي العربي قد بلغ فعلا آخر أشواطه وأنه إن لم يتغير في ممارسته السياسية فقد حكم على نفسه بالفناء.

محمد هنيد