كتاب وأراء

فــهــم المــشــيـب

يحتاج العمر لعمر آخر لنفهمه، فكم من مواقف مرت علينا في الصبا، لم نفهمها حتى بلغنا أشدنا، فأعدنا قرأتها بوعي أعمق، فبدت جلية واضحة.
ففي صباي كنت أعجب من غضب جدتي إن طرقنا دارها في السابعة مساء وكان يهالني ردها: جاينلي وش الفجر؟
وكنت أعذر والدتي وخالاتي لتذمرهن من عدم ترحيبها بتأخرهن بالرغم من قدومهن إليها من وعثاء السفر.
لاحقًا، فهمت أن جدتي كان تصلها تحذيرات من فتح باب الدار مساء تحسبًا للصوص الليل الذين يقتحمون بيوت المسنات ويذبحوهن أحيانًا.
ولأن جدتي لم تكن من الشخصيات المستدرة للعطف بتمثيل الضعف، فقد كانت تبدو كأم غير مقدرة لظروف أبنائها.
مر العمر، ففهمت أن الأجدى كان تقديرنا لهواجسها سيما وهي عجوز تعيش وحيدة في مدينة نائية.
- ببداية زواجي لم نكن أنا وزوجي نمتلك سيارة، فكنا نركب مواصلتين يوميًا للذهاب للعمل، إحداهما بعربة أجرة حتى الوصول لمحطة الباص. وحينما كنت أتأخر في الاستيقاظ، كان زوجي يعاقبني بحرماني من ركوب التاكسي ويضطرني للمشي حتى المحطة مما كان يرهقني بدنيًا، عدا الألم النفسي لشعوري أني معاقبة.
حين تحسنت أحوالنا وابتعنا سيارة، أخبرني زوجي أنه لم يكن يعاقبني بحرماني من التاكسي، وإنما كان خجلًا من مصارحتي بعجز إمكاناته المادية عن توفير ترف العربة يوميا، فكان يفضل الظهور بمظهر الزوج القاسي عن الاعتراف بضعف إمكاناته.. وكذلك يفعلون.
- بمطلع مراهقتي، صاحبت أسرتي لعيادة المعارف ليلة العيد، فاقترحت عليّ ابنتهم الذهاب للماشطة.
خجلت من ترك أم صديقتي وحدها بالدار، فقلت : «ليتك تأتيني معنا يا تانت»
جاءت إجابتها مبهمة:لا يا حبيبتي، انكلك –خلاص- جاله القلب ولم يعد لنا في هذه الأمور خالص، ثم تنفست الصعداء: الحمد لله.
قالت ما قالته بنبرة من رفع عنه البلاء، من نجاه الله من سؤال إجباري عويص!
كبرت، ففهمت أن غياب الثقافة الجنسية للجنسين كان سببًا في تحويل واحدة من أكبر الشهوات في الحياة لمعاناة لتلك السيدة، حتى أنها رُغم تقديرها لزوجها، إلا أنها ارتأت في مرضه منجاة لها من ارتكاب إثم الامتناع أو الاضطرار للاستجابة ولو بالتزين.
-أوصانا أهلونا بتلاوة سورة الكهف عشية الجُمَعْ، ولكثر ما تم تنبيهي بخطأ ارتكبه في قراءة آية «وكان أبوهما صالحًا» حيث كنت اقرأها «وكان أبويهما صالحين».
فييييييين حتى فهمت أن الله يجامل الإنسان في ذريته، لو طرف واحد من الأبوين صالحًا.
وحين استبصرت مصائر العباد، تولدت لديّ قناعة أن الخلق يثرثرون عن عظمة أسلافك الراحلين، لكنهم -أبدًا- لا يوفون الدين للأبناء. أما الله فيجامل المرء في ذريته، بتمهيد السبل لتوفيق أبناء الصالحين ورفعة شأنهم، وكم من بسطاء، متقين، رأيت توفيق الله لأبنائهم لحيازة أرقى المناصب.
من هؤلاء، مزارع، ورع، كان يسكُن ببيت متهالك، لكن الله وفق ابنه فصار مصورًا للمشاهير، واستطاع شراء فيلا فارهة، كما وفق الابن الثاني لتجارة رابحة، ففتحت له الآفاق.
بالمقابل، لن أنسى وصية أحد الأثرياء لأبنائه بعدم الخروج من البيت إلا بدراهم معدودة، بحيث إذا استقرض من أحدهم، استطاع أن يُقسم أن جيبه خالي الوفاض.
المفارقة، أن هذا الثري مات مديونًا كما لم ينج من خلفه أحد إلا وقد تذوق مرارة الديون.
- كل عام، كان والدي يعاني من فاتورة تعليمنا بالمدارس الخاصة، إلا أنه كان مصرًا على عدم إخراجنا من تلك المدارس لاطمئنانه لمستواها التعليمي المرتفع.
بعيد تزوج أخي وإنجابه، أعلن أنه سيلحق ابنه بمدرسة عادية هربًا من الكلفة المادية، فأصر والدي على دخول حفيده نفس المدرسة الخاصة المرتفعة المصروفات.
وحين تسنى لي سؤال الوالد علام التدخل في أمور سترهق أخي ماديًا.. جاء رد والدنا حاسمًا:«إن تكلفة عواقب الجهل أضعاف كلفة مصروفات التعليم وأني لخشيت على ذريتي من تعليم زائف وجهل سيرهقهم لباقي العمر».
صدق الفرنسيون حين قالوا:«آهٍ لو علم الشباب، آهٍ لو استطاع المشيب».
كاتبة مصرية
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي