كتاب وأراء

تركيا وتهمة «دعم الإرهاب»

تمثل التفجيرات الأخيرة التي ضربت كبرى المدن التركية عنوانا لمرحلة جديدة في توظيف العمليات الإرهابية على تخوم المناطق الساخنة ومناطق النزاعات الكبيرة التي يشهدها المشرق العربي ككل. فالعملية التي شهدها القلب التاريخي للمدينة وأودى بحياة أكثر من عشرة أشخاص تمثل امتدادا لسلسلة طويلة من الهجمات الإرهابية التي عرفتها البلاد خاصة منذ بداية الثورة السورية. فرغم اتهام السلطات التركية حزب العمال الكردستاني بالضلوع المباشر في العملية فإن سؤالا كبيرا هاما يبقى قائما وهو عن خلفيات اتهام تركيا بدعم الإرهاب في حين أنها من أكبر ضحاياه؟
تهمة «دعم الإرهاب «تحولت اليوم إلى سلاح فعال لشيطنة الدول الخارجة عن خط الطاعة الدولي والرافضة للسير في ركاب المشاريع الاستعمارية الكبرى التي تسعى إلى إعادة رسم مجال سايكس بيكو القديم. تركيا نالت نصيبها الكبير من الشيطنة خاصة مع تعنت نظام أردوغان وسعيه إلى إقرار السيادة التركية ورفض الهيمنة الغربية والأميركية على القرار التركي وعلى السيادة الوطنية. لكن التهمة تختلف سياقيا بين الإعلام الغربي والإعلام العربي التابع للدول العميقة في المجال الذي كان يسيطر عليها النظام الاستبدادي العربي ولا يزال.
ففي المنطقة العربية تميل الأنظمة الانقلابية أو العسكرية أو تلك الموالية لقوى إقليمية إلى ترسيخ مفهوم المؤامرة وسحبه على كل الحركات الاحتجاجية أو المطلبية بما في ذلك ثورات الربيع العربي الأخيرة. منطق المؤامرة كان لابد له من لبوس لائق وقابل للتسويق خارجيا وخاصة في الاعلام الغربي فكانت فكرة إلباس المؤامرة بالمشروع الإسلامي أو الإخواني أو الديني والتنديد بأن الدولة المدنية في خطر وأن مكاسب الحداثة والحرية صارت مهددة.
إن نجاح الحزب الإسلامي المحافظ في تركيا وتمكنه من تحقيق إنجازات اقتصادية عملاقة هناك وفي ظرف وجيز هو الذي أقض مضجع النخب العربية التي رأت فيه نموذجا ناجحا للتيارات المحافظة التي يمكن أن تستلهم منها الأحزاب العربية الصاعدة نموذجها.
أما غربيا وخاصة أوروبيا فإن ترسخ العداء التاريخي لتركيا العثمانية بما مثلته من صمود وجودي أمام التهديدات الأوروبية للشرق خلال قرون بما كانت تشكله من قوة عسكرية واقتصادية ضاربة هو الذي جعلها تستثمر في تهمة دعم الإرهاب لأن ذلك يحقق لها هدفين أساسيين. يتمثل الأول في الابقاء على الحاضنة الحضارية للإسلام على قائمة الاتهام من أجل الامعان في التنفير من العقيدة الإسلامية باعتبارها حاضنة طبيعية للعنف في ربط متعمد بين الإسلام والعنف. أما الهدف الثاني فيسعى إلى استبعاد تركيا من النادي الأوروبي رغم كل الجهود التي بذلتها من أجل الانضمام إلى أوروبا وهو هدف يستثمر إلى حد بعيد الخلط بين الإسلام والعنف في مخيال المواطن الأوروبي البسيط.
تركيا إذن وغيرها من الدول العربية التي تتهم اليوم بنفس التهمة إنما تمثل الوجه الأبرز لنموذج جديد في شيطنة الخصوم حتى وإن كانت الدولة المستهدفة بموجة الشيطنة على رأس ضحايا الإرهاب الأعمى كما هو حال تركيا اليوم.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد