كتاب وأراء

رسائل حالفة ألا تَنطفئ

- الشخصيات: غادة، غسان. - المكان: خريطة القلب.
- الزمن: زمن «غسان وغادة» المسافر في الأزمنة.

-/- المشهد الأول: حُبّ تحت شُرْفَة القمر
[قارب يَتناوب البَطلان على شَدّ مجدافه اليتيم في البحر. إضاءة زرقاء. صوت خافت لأمواج البحر المتلاطمة. موسيقى آلة كمان موحية].
- غادة: ماذا كنتَ تَقول يا زَخَّات مطرٍ أَقْسَمَتْ أَلاَّ تُؤَجِّلَ موعدَ سقوطها في غير الأرض التي تَطَأُ سطحَها قَدَمَاكَ؟! - غسان: لا أقوى على مَدِّ بحرِ الكلماتِ التي تُحاصرني، لكن! «إنني أحبكِ»..
- غادة: أَعِدْ وأسمعني ما كنت تكتب عني! - غسان: «أَعْرِفُ أن الكثيرين كتبوا لكِ».. لكنني «حين أمسكْتُ هذه الورقة لأكتبَ كنتُ أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقولَهُ وأنا أثِقُ مِن صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقتِه التي يُخيَّل إلَيَّ الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل، كالأقدار التي صَنَعَتْنا: إنني أحبكِ»..
- غادة: وأينكَ مني؟! - غسان: أينني مِنْكِ! قبل هذا اليوم لم أكن يا رمالا زاهدة في غيومي، يا.. يا.. يا..
- غادة: لكن! هذه الـ«أحبك» ألم يسبق لك أن وزنتَها في ميزان الوقت؟! - غسان: «أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى»..
- غادة: لكنهم أَلْقَوا بها في يم القذارة حدّ أن غَدَتْ نتنة، نتنة..
- غسان: «الآن أحسها، هذه الكلمة التي وسخوها، كما قلتِ لي، والتي شعرتُ بأن عليَّ كل ما في طاقة الرجُل أن يَبذل كي لا أوسخها بدوري»..
- غادة: إن صدقتك سأتصبب ألما يا غسان، فلا أحد، لا أحد سينصفني من هذا الألم الذي أكرهه..
- غسان: «إنني أحبك، أحسها الآن، والألم الذي تَكرهينَه – ليس أقلّ ولا أكثر مما أمقته أنا – ينخر كل عظامي ويَزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت»..
- غادة: وكيف تحسها، كيف؟! - غسان: «أحسها وأنا أتذكر أنني أنا أيضا لم أنم ليلة أمس، وأنني فوجِئْتُ وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومْتُ الدموع ذات يوم وزجرتُها حين كنْتُ أُجْلَدُ – أبكي بحُرْقَة، بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يَستطيعون فِعل أيّما شيء»..
- غادة: و؟! - غسان: «وتساءَلْتُ: أكان نشيجا هذا الذي أسمَعُه أم سَلْخَ السياط وهي تَهوي مِن الداخِل؟»..
- غادة: ولكن! ألن تنسى تلك الصفحات الدامية وتسقطها من حقيبة ذاكرتك الموشومة وجعا؟! - غسان: «لا، أنتِ تَعرفين أنني رجُل لا أَنسى، وأنا أَعْرَف منكِ بالجحيم الذي يطوق حياتي مِن كُلّ جانب، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهَها، وبالحَريق الذي يَشتعِل في عروقي، وبالصخرة التي كُتِبَ عليَّ أن أَجُرَّها وتَجُرَّني إلى حيث لا يَدري أحد.. وأنا أعرَفُ منكِ بأنها حياتي أنا، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا، وبأن حبك يستطيع أن يَعيش الإنسان له»..
- غادة: إلى هذا الحد تَشدّ الأيام قدميك إلى حفرة موت تسمى الحياة؟! - غسان: إنكِ أنتِ، أنتِ «جزيرة لا يستطيع المنفي في موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن..»..
- غادة: لكن مَن قال إنني أعدكَ ببقاء؟! طيور البحر تتأهب دوما للرحيل..
- غسان: «أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه، بالصورة التي تشائين، إذا كنتِ تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة»..
- غادة: إن غبتُ عن أيامك الماضية، فستقوى على غيابي في أيامك الآتية..
- غسان: «يا غادة، إنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذابا أشك في أن أحدا يستطيع احتماله، كنتُ أُجْلَدُ من الخارج ومن الداخل دونما رحمة»..
- غادة: أسألتُ نفسي: هل أستحقك يا غسان؟! - غسان: ليس أنتِ من يجب عليه أن يطرح السؤال، إنما أنا.. والجواب: «كنتُ أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن أعطيك حبّات عينيَّ ولكن لأنني لن أستطيع الاحتفاظ بك إلى الأبد»..
- غادة: مدار هواك يَدكّ حصون امرأة سِوَأيَ.. لكنني.. لا أعدك..
- غسان: كنتُ أعرف أن الرحيل عنك يوما سيرشقني بحجر الدمع إلى ما لا نسيان.. لكن ليكن غيابي أنا لا رحيلك..
-/- المشهد الثاني: اِعْتِراف قِدِّيسَة
[مونولوغ. مصطبة في حديقة تطل على شارع فارغ. موسيقى ناي حزينة خافتة تتصاعد بين الفينة والأخرى. إضاءة نوستالجية].
- غسان! عرفتُه رَجُلا هذا الـ«غسان» الهارب من مظلة زمنه إلى زمني..
هذا الـ«غسان» «لم يكن قلبه مضخة صدئة» يوما..
هذا الـ«غسان» رآني كما لم يَرَنِي الآخَرون..
لم يُفَصِّلْنِي غسان على مقاس فستان الأنوثة الصارخة الذي يَسجنني فيه باقي الذكور..
غسان لم يَرَنِي بعيون الرجال، إنما رآني بعينيه..
غسان قرأ فنجان أفكاري، غسان تَعَلَّمَ فَنَّ العوم في محيط إحساسي، غسان عرفني أكبر من الآخرين وأوسع بحرا..
صَدِّقوا أنني كان يناديني: «يا جهنم، يا سماء، يا بحر»! غسان كان يَفتقدني كطفل أضاع الطريق إلى أول امرأة فتح عليها عينيه، وشعر بأنه يتقبل منها كل الأشياء..
غسان كان يقول إنني داؤه الذي لا يقوى هو على أن يُشفى منه، كنتُ له شمسَ النهار وقمرَ الليل، كنتُ له بمثابة الحُلم الجميل الذي يُزيلُ كابوسَ عالمه الفارغ إلا مني، كنتُ له الوسادة الناعمة والرغبة النائمة في راحة يدٍ تلتقط الأنفاس للخروج عن شريعة باقي الناس..
غسان كان إذا مرضَ كنتُ في عينيه الْمُسَكِّن، وإذا غضبَ كنتُ له بمثابة الماء الذي يُطفئ لعنةَ الشياطين، وإذا سافَرَ كان المسكين يَحارُ فلا يعرف في أي جيبٍ من الحقيبة يَضَعني ليحملني معه إلى حيث لم يَكن يشاء أن يُغادِرَ دوني..
بروحي الشقية كان غسان يُحَلِّي طبق الوقت المحروق، ولِجَلالي كان يَرْكَعُ ماء عينيه المهروق، وكنتُ كلما تَعَمَّدْتُ هجرَه، لِأَطول وقت، أَتْرُكُه وحيدا يَرقص رقصة ألسنة النار الباحثة عن ريح تَنفخ فيها..
غسان هذا كان يُطْفِئُ السجائرَ في فرن رئتيه المشتعل بحضوري حتى في عز الغياب، وبقدر ما كان يَحترق نَوى، كان يحرق أعوادَ الثقاب تلك الضاربة لشفتيه مواعيد..
تَعَلَّقَ بي كما يَتعلق المحرومُ بيوم العيد، تَسَلَّقَ نخلةَ أشواقه إِلَيَّ وهو يَعرف أنها قد تَقودني إلى سِواه، لكن ما نسيتُ يوما أنه لم يَنْسَني.. إلى آخِر أُصْبُعِ سيجارةٍ اِلْتَقَطَتْه أنفاسُه لم يَنْسَنِي..
هذا الهارب منه إلىَّ لم يَجِدْنِي في انتظاره يوما كما كان يَشتهي، لكنه أدمَن انتظارَ رسائل قطته الواعدة بمواء في غير زمن الاشتهاء..
قصيدةٌ حزينة تُسَمَّى المسافات كتبَها القَدَر لِرَجُلٍ خبرَ قلبَ الحَجَر قبل أن يَعرف غادة..
غسان لم يُنْصِفْه حجر الزمن وطوبُه، لكن أنصفَه حُبُّه لي.. حُبّ بِلا أمل..
غسان عرفني امرأةً لا تُسَلِّمُ مفاتيحها لكل مَنْ يَنحني عند رصيف روحها المشتعلة، لكنه لم يَطلب مني سِوى أن أَتَقَبَّلَ لهفتَه وأَحْتَرِمَهُ طِفلاً كبيرا قد أَنْهَكَه السَّفَر وأَتْعَبَه الليل..
غسان قال إن أوانَ وصال الشمس قد آن.. وكنتُ أنا شمسَه التي لا تُشرق أكثر مِن مرة في العمر..
غسان لم يَنتظر مني أن أعِدَه بشيء سوى ألا أُعْفيه من احتراق أصابعه الْمُرّ اللذيذ في ضوء شمعتي..
إنه غسان ذاك الذي كان.. وإنها رسائله، إلىَّ، كانَتْ..
هِي هذه «السطور التي أهداني إياها ذات يوم وطنيٌّ مُبْدِع لم يَكن قلبُه مضخة صَدِئَة»..
هي هذه حروف غسان إلى أنثى لن تتكرر وكُنْتُها، حروف غسان «أُهْدِيها بدوري إلى الذين قلوبهم ليست مضخات صَدِئَة، وإلى الذين سيُولدون بعد أن يموت أبطال هذه الرسائل»..
-/- المشهد الثالث: مُحَاكَمَة غير عَادِلة
[غُرفة مُحَاسَبة نوافذها مفتوحة على ضوء النجوم. كرسي في الوسط. إضاءة صفراء تَنْبَعِث من مصباح يَتَدَلَّى مِن الأعلى. أصوات ليس لأصحابها حضورٌ شاخِصٌ على الخشبة لكنها تَسْتَنْطِقُ البطلةَ. برق. رعد. صوت أمطار تهطل بغزارة بين الفينة والأخرى].
- صوت 1: لماذا فَكَّرتِ الآن في نشر الرسائل؟! - غادة: ولكن غسان رحل.. ألاَ يشفع لي أنني أستلّ سيف اعترافي بعد موت من أَحْبَبْتُ حُبَّه لي؟! - صوت 2: ولماذا لم تُقْدِمي على نشر الرسائل قبل الآن؟ - غادة: تَفادَيْتُ أن أَصُبَّ بنزيني تحت دخان عودِ ثقابه الواعد بإحراق خيمته..
- صوت 3: لماذا لم تَحترمي حُبَّه؟ - غادة: وهل كان الحُبُّ يوما جريمة؟! - صوت 1: أليست كتابتك عنه جريمة؟ - غادة: الجريمة أنني عندما فَكَّرْتُ أن أكتبَ عن الجانب العاطفي في علاقته بي نَسيتُ أنني امرأة عربية..
- صوت 2: لماذا أحبكِ أنتِ دون سِواكِ؟ - غادة: وهَل قلبُ الرجُل في يَدِه لِيُقَلِّبَه كيفما شاء ويَضَعَه أينما شاء؟! - صوت 1: أَلَسْتِ ترين أنك قد خُنْتِ عهدَكِ له؟ - غادة: وهل كان اعترافي بِحُبِّه خيانةً لمشاعره؟! - صوت 3: لماذا غسان دون سِواه؟ - غادة: وَدِدْتُ بحُسن نية أن أُضِيءَ مصباحا آخر في حجرة جديدة غير تلك الحجرات التي تَعَوَّدَ عليها القارئ في شخصية كنفاني الثائر والمناضل والسياسي..
- صوت 1: وهل كان غسان المؤمن حتى النخاع بقضية فلسطين يَجد الوقت للحُبّ؟ - غادة: الحُبّ شيء من الوطن، وعندما أَحَبَّنِي غسان فقد زَوَّدْتُه بِطاقةٍ جديدة تَكفي لِيَفي بالتزاماته السياسية والمهنية والأدبية وأكـثر..
- صوت 2: وهل من العدل أن تَنشري رسائل غسان دون رسائلك الرادة عليها؟! - غادة: مِن الحكمة أن أُقَدِّمَ الجانبَ الْخَفِيّ في حياة غسان الذي رَحَل، أما أنا، فمازِلْتُ على قيد الحياة، ومَن يعرفني لا يَجهل جرأتي في الكتابة عن نفسي..
- صوت 3: أَمْ أَرَدْتِ أن تُثْبِتي بأن شخصيةَ غسان القوية كانَتْ تُضمِرُ ضَعْفاً؟ - غادة: إنما قُوةُ الرَّجُل في ضَعفِه قُبالَةَ امرأةٍ يُحِبُّها..
- صوت 1: ما الذي تتصورين أنك أَضْفِته إلى شخصية غسان؟ - غادة: يَكفي أنني تَوَّجْتُه بطلا على مسرح أدب الرسائل..
- صوت 2: مَن سَيُصَدِّق أن يَكتبَ غسان كُلَّ هذا؟ - غادة: ومَنْ لا يُصَدِّق أن يَحملَ غسان بين طيّاتِ ضلوعه قلبا مِثْل البَشر، يتنفس ويعشق ويُحِبّ؟! - صوت 3: لكن لماذا.. ولماذا.. ولماذا..؟ - صوت 1:ومَن أعطاكِ حق الـ.. وحق الـ.. وحق الـ..؟ - صوت 2: أجيبي! - صوت 1: تكلمي.
- غادة: لو جربتم أن تفتشوا في درج أكثر مِن أديبة، ستَجِدون مَن ظلَّت تحتفظ لِمَنْ عانَقَتْ طيورُ قلبه شجرتَها برسائل وصُوَر وَورد وعِطر وأقلام ونظارات وسجائر وما قد لا يَخطر على بال.. لكنها الجرأة التي تَخون الواحدة منهن لبسط منديل حُبِّه لها أمام الملإ..
لُمْتُمُوني، والروح جِراح.. مَزَّقْتُم قميصَ أشواقي إلى زمنه بخنجر سوءِ تقديركم الذَّبَّاح.. مَرَّغْتُم في تراب الخذلان أنوثةَ امرأةٍ لا تُنسى، يَغار من ضوئها الصباح..
فَلْتَرْحَمُوني، ولْتُحَاكِمُوا قلبَه.. أليس قلبُه الذي هواني أَوْلَى بأن تَجْلِدُوه مادام الحُبُّ في قانونكم خُروجا عن النص؟! فَلْتُحَاكِموا قَلْبَه! [نهاية].
*** (فكرة «مَسْرَحَة رسائل حقيقية بين أديب وأديبة» صادتني وأنا أتأمل كتاب «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان»، فقُلتُ: لِمَ لا؟! الرسائل خَرَجَتْ إلى النور، وللرائي بعين التأمل كُلّ الحَقّ في استقاء بعض منها (ما وَضَعْتُه بين مزدوجتين في نص الحوار) مِن مَدْخَل ممارسة شيء من الجنون اللذيذ «الإبداع» إكراما لطائر الحُبّ الذي لا يَموت فوق غُصن شجرة القلب، قد يَغيب الطائر، قد يُسافِر، قد يَرحل، لكنه يَعِدُ بعودة، أو لِنَقُل: إنه يتجدد على مدار رحلة موج بحر العواطف.. أَنْبَل اِلْتِفَاتَة، أَرَقّ تحية، وأَعْطَر سَلام لِمَنْ يهمه الأمرُ).

بقلم : د.سعاد درير

سعاد درير