كتاب وأراء

عنعنات


قال الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل: «إن البشرية على مر العصور مدينة لمئات فقط من المبدعين» وأنا أضيف، إن العامة مقلدون لتلك الحفنة من المئات.
والمراقب للساحة الفنية، الفكرية والأدبية يفهم أن من الطبيعي أن يتم تداول الفنون والأفكار ولا ضرر من الاقتباسات شريطة ذكر المرجع أو المصدر وهو ما يعرف بالـ «عنعنة».
وقديمًا اتهم الفنان «محمد عبد الوهاب» باقتباس بعض الألحان الغربية، وحين وجه له هذا الاتهام صراحة من أحد المذيعين، كان رده انه يملك الحق في اقتباس ثماني جمل موسيقية دون أن يُعد ذلك سرقة.
لكن اليوم ورغم وجود فضائيات ووسائل تواصل، إلا أن المشاهد والمستمع العادي يستطيع وبسهولة أن يدرك أن هذا اللحن مسروق «قصًا ولزقًا» أي مأخوذ بدون أي إضافة أو إبداع وبدون ذكر المصدر الأصلي.
ولسنا هنا بمعرض تشهير، وحتى أفلام الأمس والتي تعتبر من كلاسيكيات السينما لم تسلم من تلك السرقات. لقد هالني أن ممثلين عظاما ولهم أسمائهم ومكانتهم قاموا بتمصير أفلام أجنبية دون ذكر أن القصة على سبيل المثال مأخوذة من فيلم «المتشرد» أو THE VAGABOND«لشارلي شابلن».. والأمثلة لا حصر لها.
بالمقابل، هناك مخرجون كبار وسينمائيون لم يأنفوا من إنتاج أفلام عربية تم اقتباسها من فكرة فيلم اجنبي بعدما أعلنوا صراحة ذكر المصدر بمقدمة أفلامهم.
وبالمثل، لطالما أنتجت برامج عربية مأخوذة عن فكرة برامج أجنبية معروفة ولم ينكر أحد ذلك.
أما في الكتابة الأدبية أو الفكرية، فالموضوع أشد وأصعب وأكثر تعقيدا. فبينما من السهل أن يتم اكتشاف سرقة نص كامل كما حدث مع الأديبة المصرية الرائعة «تيسير النجار» التي فوجئت بقيام كاتبة أخرى بسرقة نص كامل من كتابها.. دون إشارة لها من قريب أو بعيد مع أن النص مأخوذ من كتابها «جئتك بالحب».
إلا أن الأصعب هو أن يتحرى الكاتب الدقة في الاقتباس، فقد يكون من الجائز اقتباس المفردة دون العنعنة لكن أن يقتبس المعنى والفكرة فهذه هي الطامة.
أزعم أنه من الطبيعي أن يتأثر الكاتب بمفردة أعجبته أو وصف التفت إليه، حتى الإنسان العادي يكرر ويقتبس جملا سمعها حتى يعتادها لسانه، لكن سرقة جوهر المعنى أو مقال كامل فهذا هو الأمر المؤسف
كذلك، أحيانا يكون ضيق المساحة المخصصة للمقال تحول دون ذكر العنعنات، وحتى لو ذكرها الكاتب، يتم حذفها في التدقيق اللغوي حينما تتعدى كلمات المقال العدد المسموح به. بالنهاية، فالكاتب حين يسرق أو يقتبس دون «العنعنة» فمثله مثل شاب يعلن على الملأ عقمه دون محاولة زواج الفكر من التأمل لينجب من بنات أفكاره من يكتبن له الخلود.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي