كتاب وأراء

عندما ينقلب السحر على الساحر في حصار قطر


في وقت قصير جداً انقلب السحر على الساحر وصار المحاصِر محاصراً حيث تعيش مجموعة حصار قطر اليوم أياماً صعبة خاصة بعد التفاعلات الكبيرة والخطيرة التي عرفتها جريمة اغتيال «جمال خاشقجي». هذا الوضع المتأزم يمتد من السعودية وصولا إلى الإمارات مرورا بمصر والبحرين ولا يكاد يستثني من هذه الدول دولة واحدة. فالمملكة تعيش اليوم وضعا لم تشهده من قبل بعد الانهيار الكبير الذي عرفته صورتها على مستوى العالم سواء بسبب الجرائم المرتكبة في اليمن الذي يعيش مجاعة حقيقية أو في ما يتعلق بحالة القمع غير المسبوقة في حق الناشطين والمعارضين.
أما الإمارات التي كانت وراء توريط السعودية في اليمن فهي تحاول اليوم قدر الإمكان التواري عن الأنظار والتنصل من كل المجازر التي تورطت فيها في مصر واليمن وليبيا مع الإبقاء على أذرعها فاعلة هناك عبر آلاف المرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين جندتهم. أما مصر فإن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي قد بلغ مستويات مرعبة وينذر بمستقبل عاصف بعد أن تحولت مصر إلى سجن مفتوح حيث يقبع آلاف المعارضين والناشطين في ظروف إنسانية مفزعة.
هذا الوضع الذي وصلت إليه دول الحصار إنما يشكل نتيجة موضوعية لخيارات استراتيجية إقليمية ومحلية ودولية أودت بالمنطقة إلى الوضع الذي هي عليه اليوم. لقد سعى رباعي الحصار منذ بداية الأزمة إلى محاولة إخضاع الموقف القطري متعللا بأن الدولة الصغيرة لن تستطيع الصمود أياما أو أسابيع لكن نفس الرباعي يعود اليوم ليخبرنا بأن اقتصاد قطر هو اقتصاد قوي وأن استقرارها هو استقرار لكامل المنطقة. هذا التناقض في الخطاب وفي السياسة وفي المنهج والخيارات يعكس تخبطا كبيرا في التعامل مع قضايا يرتبط بها مصير الملايين من العرب والمسلمين.
لقد كان لثورات الربيع أثر كبير في الزلزال الذي تعرفه دول المنطقة العربية كلها وهو زلزال لا يتعلق بالثورات في حد ذاتها فقط وإنما يتعلق برد فعل الثورات المضادة التي قادتها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية وفرضت عبرها منطق الفوضى والاقتتال. في هذا السياق يتنزل حصار قطر الذي يمثل محاولة من قوى الثورات المضادة لإخماد كل الأصوات التي رفضت الاندراج في مشروع وأد مطالب الشعوب.
إن فشل حصار قطر من ناحية وتورط دول الحصار من ناحية ثانية ليس في الحقيقة إلا إعلانا عن أن مشروع دفن الاستحقاقات الشعبية في المطالبة بالتخلص من الاستبداد والقمع قد فشلت وأن قطار التغيير والتحرر لم يغادر سكّته.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد