كتاب وأراء

رسالة تفجير تونس

محمد هنيد
جد بالأمس القريب تفجير انتحاري في قلب العاصمة التونسية وفي أحد شوارعها الرئيسية غير بعيد عن مقرات سيادية عديدة. لكن من ألطاف الله أن التفجير لم يسفر عن ضحايا باستثناء منفذة التفجير وهي فتاة في العقد الثالث من العمر من وسط فقير وتعيش حالة من البطالة المستديمة، وهي الحائزة على شهادة الأستاذية في اللغة الإنجليزية. لكن بقطع النظر عن الفاعل وصورته الاجتماعية فإن التوقيت مريب وكذلك طبيعة الفعل نفسه الذي لم يخلف ضحايا غير بعض الجرحى من القوات الأمنية المتواجدة بالمكان.
تعتبر تونس التجربة الثورية الوحيدة الناجية من ثورات الربيع العربي وهي لا تزال تمثل هاجسا لمنظومة الثورات المضادة التي تمكنت من إخماد الموجة الثورية الأولى ولكنها لم تتمكن إلى اليوم من تثبيت المنوالات الانقلابية أو تجاوز حالة الفوضى العارمة التي سببها الانقلاب على ثورات الشعوب. تونس تتقدم بثبات في جو إقليمي عاصف من أجل إتمام مسارها الانتقالي وتكوين نواة أول نموذج ديمقراطي عربي، وهنا تكمن خطورتها على البناء الاستبدادي المحلي.
لكن يبدو أن قوى الثورات المضادة الرابضة في الخليج تأبى ذلك وتسعى إلى إلحاق التجربة التونسية بالتجربة المصرية لأنها تمثل تهديدا حقيقيا لوجودها باعتبارها آخر الكيانات الاستبدادية في العالم. لا أحد يستطيع اليوم سواء داخل تونس أو خارجها أن ينكر أن العمليات الإرهابية ليست في الحقيقة إلا محاولات من النظام القديم والقوى المرتبطة به محليا ودوليا من أجل تدمير التجربة التونسية. تونس أرض طاردة للإرهاب ولم تكن يوما عبر تاريخها إلا نموذجا للحوار والتلاقي والتسامح، بل إنها رفضت بعد الثورة القصاص ممن مارسوا في حق شعبها كل أنواع التنكيل والنهب والتعذيب.
لكنها اليوم تقف على مرمى حجر من الموعد الانتخابي الأخير الذي سيضع الدولة والمؤسسات على آخر الخطوات الانتقالية. هذا الموعد يكاد يكون حاسما بالنسبة لكامل المسار الانتقالي الذي دام أكثر من ثماني سنوات، وهو الأمر الذي تعمل القوى المعادية للثورة على منعه كلفها ذلك ما كلفها. في تونس تعيش القوى المرتبطة بالنظام القديم آخر أطوارها بعد أن فشلت فشلا ذريعا في تحقيق ما أنيط بها من المهام الانقلابية، ومن تصفية المسار الثوري وليست العمليات الارهابية الأخيرة إلا عنوان هذا الطور الأخير.
ليست الخطورة في إجهاض التجربة التونسية نفسها بل إن الخطورة تكمن في تحمل ارتدادات عمل مثل هذا على كامل مسارات الربيع نفسها بعد أن تقتل القوى المضادة للتغيير كل نفس في الانعتاق السلمي من ربقة الاستبداد العربي.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد