كتاب وأراء

حتى لا ترحل الذكريات (6)

تحدثت في مقالي السابق عن الزيارة المختلفة التي حملتني إلى كوريا الشمالية في صيف عام 2008 والتي تم ترتيبها بشكل مفاجئ من قبل مضيفينا الكوريين الجنوبيين الذين كنت انا ونحو 20 صحفيا اخرين في ضيافتهم ضمن برنامج اعلامي يختص بشؤون شبه الجزيرة الكورية.
خلال رحلة الباص التي استغرقت نحو نصف ساعة بين القرى المحاطة بالحقول والغابات العذراء لفت نظري امران.
اولهما ان الغالبية العظمى من الفلاحين يرتدون ما يشبه الزي الموحد أو «اليونيفورم» ويعلقون دبابيس صغيرة تحمل صور القائد الذي كان كيم جونغ ايل آنذاك اما الملاحظة الثانية فهي ان معظم السيارات والحافلات التي كنا نصادفها على قلتها كانت تنتمي إلى حقبة الحرب العالمية الثانية ولم نتمكن انا والزملاء الصحفيين الذين كانوا يرافقونني في الباص من تحديد أي نوع معروف من تلك المركبات
الامر الغريب الاخر ان جميع الفلاحين الذين مررنا بهم كانوا يعملون في الحقول وهم ينشدون بصوت عال اغان وطنية تمجد كوريا الشمالية وقائدها فيما بدا وكانه مسرحية مرسومة باتقان، ورغم انه كان عسيرا معرفة اذا ما كان ذلك ديدنهم دائما أو زيارة صحفيين اجانب استدعت هذا العرض الاوبرالي في الهواء الطلق الا ان المؤكد انه عزز في اذهاننا الطابع الانعزالي الذي تعيشه كوريا الشمالية
وصلنا إلى المنتجع الذي كان حديثا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان اكثر ما لفت نظرنا هو البؤس المحيط به والذي يبدو من خلال التناقض الفج بين البيوت المتهالكة للقرى المجاورة وفخامة هذا المكان الذي يضم فنادق واسواقا حرة وبرك سباحة تتشارك جميعا في انها محرمة على سكان كوريا الشمالية باستثناء الموظفين الذين يعملون بها.
قضينا الايام الثلاثة دون أي بروباغندا تذكر وقمنا بزيارة مناطق ساحرة بعضها كان من اجمل ما رأت عيناي حتى الآن بكل ما تحمله الكلمة من معنى لدرجة ان صحفيا برازيليا كان يرافقنا اخبرنا انه لم يرى شواطئ بهذه الروعة حتى في البرازيل المشهورة بانها تضم بعض اجمل شواطىء العالم!
في نهاية الرحلة التقطنا صورا تذكارية مع احد المسؤولين الذين كانوا برفقتنا وقد طلب منا ان نرسل له هذه الصور للذكرى وعندما طلبنا منه بريده الالكتروني لم يفهم ماذا نعني واعطانا عنوانا بريديا يمر عبر دولتين اوروبيين اذكر ان احداهما كانت قبرص قبل ان ينتهي إلى الصين ومنها إلى كوريا الشمالية .
غادرنا الشمال قافلين باتجاه الجنوب وفي ذهن كل من ألف سؤال عن المستقبل الذي ينتظر هذا البلد الذي يجهل غالبية سكانه شكل الحياة خارج حدود دولتهم المقاومة !.

بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي