كتاب وأراء

في ذكرى صحفي مهّد للثورة السورية

كنت أشاهد قبل ايام احتفال تسليم «جائزة سمير قصير السنوية لحرية الصحافة»، في حديقة قصر سرسق، شرق بيروت، وسط حشد سياسي واعلامي وبعض المثقفين من اصدقاء سمير وناشطين في الشأن العام. فجأة يعلو صوت صحفية عبر الشاشة، التي كانت تبث شهادات وتجارب صحفيين شباب ناشئين مشاركين في المسابقة، قائلة: «نعم كنت خائفة». لم تكن صرخة استغاثة وانما كانت عنوانا لمقال كتبته الصحفية السورية غالية شاهين تعبيرا عن زمن القمع والاستبداد الذي مارسه النظام السوري ضد شعبه على مدى أربعين عاما، واستعادة للحظة الرعب والخوف الذي عاشته بعد انطلاقة الثورة السورية عند رؤية وجه أخيها عائدا «ممددا في تابوت بعد ان اخترقت جسده رصاصاتهم الخرقاء»، وحدقت بوجوه زوجها وأبيها وأمها، ومن ثم وجهها هي عندما نظرت فجأة في المرآة «لاكتشف بجرأة لم أعهدها من قبل، أنني ببساطة، كنت خائفة».
هي اللحظة التي حفرت عميقاً في داخلها، والتي عبرت عنها في ما بعد، والتي جعلت منها صحفية تواقة إلى حرية التعبير عن رأيها. ان هذا «الخوف» الممزوج بالتعطش إلى الحرية دفع غالية إلى اتخاذ قرارها السريع: «لم يكن أمامي وقت كثير للتفكير، أودعت كل تلك الوجوه في حقيبة باتت ثقيلة، ولملمت بعضاً مني من على رفوف مكتبتي، وأدراج خزائني، ووضعتها في حقيبة. حملت مخدتي، خوفاً من أن أنسى أحلامي المحشوة فيها، ووضعتها في حقيبة أخرى...». لم تدّعِ غالية ان حياتها كانت أكثر أهمية من «ثورتها»، خرجت مكسورة من سوريا، وقررت انها قادرة على «المخاطرة برفع صوتي والدفاع عن ثورتي. لكنني كذلك لم أكن عصية على الخوف».
في فعل الحلم هذا، وانما الإرادوي والواقعي في آن معا، يبدو واضحا تأثر غالية بنهج وارادة سمير قصير في تصميمه على قبول التحدي عندما يواجه الضغوطات: «في هذه المهنة ليس هناك امي ارحميني، المهم ان نحافظ على طاقة الاستهجان وان نبقى مستعدين لفضح الاعوجاج، فانا لن أستسلم لأن أحدا لا يعود يقرأني، لن استسلم ولن أسمح أن يردعني أحد». وربما لهذا السبب استحقت الصحفية السورية الجائزة عن أفضل مقال رأي.
كان سمير صاحب رؤية وبارعاَ في التقاط اللحظة، لحظة «انتفاضة الاستقلال» في لبنان عام 2005، التي كتب عنها وسعى اليها، وحلِمَ بالتغيير في سوريا الذي طالما كتب عنه وبشر به: «حين يزهر ربيع العرب في بيروت، يعلن أوان الورد في دمشق». ومن موقعه كصحفي وككاتب وكمثقف وكمناضل وكمنظّر للواقعية السياسية، شكل منارة لجيل من المثقفين والشباب في سوريا، ورافعة لعملية التغيير، ممهدا الطريق أمام الثورة السورية، ومؤكدا على جدلية ترابط التغيير بين البلدين الجارين، فهو الذي رفع شعار: «ديمقراطية سوريا شرط لاستقلال لبنان».
وحين كتب سمير عن حرية فلسطين ولبنان وسوريا والدول العربية كانت تلك الكتابات ترسم خطاً جديداً في مواجهة الديكتاتوريات وأنظمة القمع، وتحذر من الحروب والاقتتال الداخلي. فهو فهم بعمق الوضع العربي بكافة جوانبه، فها هو العراق المتناحر سياسيا والمفكك جغرافيا ومذهبيا، يرزح اليوم تحت نير التدخل الإيراني، وهذه فلسطين ضحية الصلف والقهر الاسرائيلي من جهة، والتخاذل واللامبالاة العربية من جهة أخرى. من هنا تكمن راهينية سمير، وقدرته على استشراف الاحداث ربما تعود إلى أصوله الثلاثية الابعاد اللبنانية-الفلسطينية-السورية. وهذا ما لخصه في كتابه الأخير: «تأملات في الشقاء العربي».
اغتيل سمير غداة نجاح «انتفاضة الاستقلال» التي تمكنت من اخراج جيش الوصاية السورية من لبنان. استشهد واقفا، حرا، وقلمه في يده!
سعد كيوان

سعد كيوان