كتاب وأراء

إيران والتاريخ: استعادة للتمدد الطائفي

تشكل إيران قوة إقليمية لا يمكن إنكار حضورها أو امتداد نفوذها إلى مناطق مجاورة لها حيث تستفيد من علاقاتها العقدية والسياسية مع القوى الحاكمة في سوريا والعراق أو الجماعات النافذة في دول مثل لبنان واليمن.
غير أن السياسات الإيرانية في المنطقة تتجاوز مجرد البحث عن النفوذ السياسي لتمارس شكلا من السيطرة يقوم على الهيمنة وإلغاء المخالف بصورة تعيد إلى الأذهان ما حصل أثناء هيمنة الدولة الصفوية. وأوجه التشابه بين نظام الحكم الإيراني الحالي ودولة الصفويين متعددة بداية من اعتمادها على نموذج طائفي مغلق للحكم يعتمد على الإقصاء المطلق للمغاير مذهبيا أو النظرة العنصرية تجاه القوى العرقية الأخرى وخاصة جيرانها العرب.
وتاريخيا كانت الدولة الصفوية شيعية بامتياز مارست التطهير المذهبي ضد خصومها السنة وعمدت إلى اقتلاعهم من إيران التي كانوا يشكلون الأغلبية فيها. ورفعت شعارات الإعداد لمجيء المهدي المنتظر بوصفهم الدولة الموعودة بنصرة الإمام الغائب وهو ذات الخطاب الذي تعتمده إيران الحالية في سلوكها السياسي. وبمراجعة تاريخية سريعة نلاحظ أن الدولة الصفوية في طور صعودها (خاصة أيام إسماعيل الصفوي) قد عمدت إلى استعداء كل جوارها السني وخاصة العثمانيين منهم وارتكبت أشنع المذابح في حق سنة البلد إلى الحد الذي جعل السفير البرتغالي في الصين بيريس تومي والذي زار إيران في الفترة من 1511 إلى 1512م يقول «إنه (أي إسماعيل) يقوم بإصلاح كنائسنا ويدمر مساجد السنة» وهو ما يعني أن الصفويين كانوا على استعداد للتحالف مع كل القوى الدولية من أجل تحقيق هدفهم في تصفية خصومهم من أهل السنة وهو أمر يمكن أن نلاحظ له نظيرا لدى إيران الحالية. ورغم تطور المشهد السياسي والتحولات التي شهدتها المنطقة تاريخيا فإن سعي إيران إلى تخليق قوى تابعة لها وتخدم أجنداتها في المنطقة تحت شعارات مختلفة وهي في هذا تجعل الولاء الطائفي مقدم على العلاقات السياسية وهو ما يفسر سعيها الشديد لضرب الثورات العربية حيث يشكل النموذج الاستبدادي الديني في صورته الإيرانية الشيعية الحالة القصوى التي يمكن أن تبلغها الأنظمة المغلقة من حيث سلطة الدولة وقدرتها على الرقابة والمنع بصورة عنيفة وحادة وهي تقدم نفسها بوصفها حامية للعقائد المذهبية وراعية للطائفية في المنطقة وهذا ما يفسر حرصها على بقاء الأنظمة الموالية لها أو الحليفة خارج نطاق أي تغيير ديمقراطي يمكن أن يمثل نموذجا ناجحا ومغريا للشعوب من حيث إمكانية إدارتها لشؤونها السياسية من خلال الحوار والتداول على السلطة ومنطق المواطنة بعيدا عن وصاية الحاكم ذي الشرعية الدينية الموهومة.
ومثل ظهور التنظيمات السنية الدينية رد فعل مباشر وميكانيكي على التوجهات الإيرانية ونعني به تصاعد تأثير تنظيم «داعش» خاصة في العراق بوصفه نموذجا دينيا استبداديا أخر يحاول تثبيت أركانه في المنطقة رغم أنف الجغرافيا والتاريخ وهو ما قدم خدمة مباشرة للنظام الإيراني حيث تحول الأمر من التآمر على الثورات العربية إلى الإطاحة بتنظيم إرهابي متمدد في نوع من التعمية على المشروع المركزي للنظام الإيراني من حيث كونه لا يسعى إلى دعم الحريات والانتقال الديمقراطي وإقامة دولة المواطنة في الدول التي يتدخل فيها بقدر ما يتعلق الأمر بتثبيت أركان أنظمة استبدادية تخدم مصالحه وتسير في ركابه. إن طبيعة الممارسة السياسية لإيران الحالية لن تفضي إلا إلى حالة من التحشيد الطائفي والصراعات الدموية التي لا تخدم المنطقة بقدر ما تساعد على تأبيد حالات الضعف والتخلف دون أن ينفي هذا إمكانية ارتداد السلوك الغير عقلاني للنظام الإيراني عليه بمعنى أن تشهد هي ذاتها حالة من الفوضى الطائفية والعرقية قد تؤدي إلى تفككها لأن حالة الفوضى التي تنفخ إيران في جذوتها لا يمكن منعها من التمدد وحينها ستدفع الثمن غاليا لطموحها الإمبراطوري الصفوي الجديد.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي