كتاب وأراء

وأنا والله في خاطري شي

البداية:
«لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه»
متن
هو رمضان.. شهر الخير البركات
عاد لتعود معه طقوسه التي لا تُشبه سواه
سكينة بالنفس وطمأنينة وفرصة لتجديد الذات
وعادت تقاليدنا التي لا تنقطع..
تراصت الكتوف على مائدة الإفطار..
كبيرنا يسأل «أحد غايب»..
فأتت الإجابة «لا كلنا حاضرون»..
وفي صمت مغلف بابتسامة تُخفي خلفها شوق الغياب وعينين تاهت حتى لا يرى أحدٌ حزنها الدفين.. فضلت الانصراف.. حتى لا أعكر صفو فرحتهم
لا.. هناك غائب..
هناك من حطم بغيابه كل نشوة فرح بألم الحنين.. صحيح مضى زمن طويل ولكن ما العمل..
يحضر في كل مرة أحاول على الأقل نسيانه..
هذا رمضان التاسع عشر الذي يمر من دونه ويبقى والدي أعظم الراحلين..
ذكرياتي معه ليست كثيرة؛ ومع ذلك صورته لا تغيب وصوته لا ينقطع..
فيارب اغفر له وارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة يارب العالمين.
وأنا خاطري ماعاده بطيب
كان قد انتهى للتو من دورة هندس رمضانك..
اتصل بي يخبرني عن ترتيب المساجد التي سيعتكف بها..
سألني وأنا الطالب المغترب حينها «متى ستعود».. كنت على أمل أن ألتقي به..
لكن القدر كان أسرع.. جاءنا الخبر.. خالد توفي ودفانه غدًا!
وهذا رمضان الثالث على رحيله.. فقدنا أخًا وصديقًا لم نعهد منه إلا الكلمة الطيبة والابتسامة.. خطط لرمضان ولم يبلغه ولا يزال كثيرنا يُطيل الأمل بدنيا الغرور.. علمني رحيله أن أعيد التوازن لحياتي.. ما عدت آبه لسطحيات الأمور.. وعدت لمصافحة حتى من كنت أكرههم فما الدنيا إلا متاع إلى حين.. بعض الصدمات تهزنا لتجعلنا أقوى رغم الألم.. فيارب ارحم من هندس رمضانه ولم يبلغه برحمتك يارب العالمين.
وفي خاطري شيٍ ما ينحكى
بدعوة من ثانوية خالدة بنت الأسود لمشاركتهم تكريم خريجاتها حضرت..
رأيت تلك الغصون اليانعة المقبلة على الحياة
والمحبة الصادقة النابعة من قلوبهم تلك القلوب الخالية من أمراض الحقد والكره والحسد..
موقف نبيل منهم بإرسالهم روب التخرج لزميلتهم المسافرة إلى لندن للعلاج برفقة والدتها لتظهر على شاشة العرض بالقاعة مرتديةً قبعة التخرج.
وبمقطع مسجل من لندن قالت كلمات بحروف الحزن وبصوت يخشى الانكسار تبارك لهم من هناك وتتمنى لهم التوفيق لترد دموعهم بصمت
«وبعض الصمت أبلغ من القول».
وفي حفل تكريم طلبة الجامعة.. أصروا الطالبات على تكريم زميلتهم الراحلة «عائشة» والتي توفيت قبل الاختبارات بأيام بعد صراع طويل مع المرض وهي في قمة التفوق.. عرضوا آخر رسالة كتبتها لهم قبل دخولها لغرفة العمليات.
كتبت خلالها أنها لن تنساهم وتتمنى لهم الخير وختمت «عسى ربي يعوضني بلقاكم بالجنة» وكأنها كانت تعلم بقرب الرحيل فكانت تلك آخر الكلمات.. وفي فرحة تخرجهم أجهش الجميع بالبكاء.. فيارب ارحم من غاب عنا وأكرم نزله وانت أرحم الراحمين.
ويا شين خاطري ويا ثقل دمه
وبمناسبة حلول شهر رمضان
‏إياك وأن تصدق تجّار المثالية وبائعي الوهم بالتسامح مع من اخطأ بحقك ما لم يعتذر
‏لا تبذل المستحيل لمن لا يبذل لك الممكن
فالتسامح شيء والذل شيء آخر..
فلا تساوم على حساب كرامتك.
إضاءة:
وامسح بمناديل الصبر دموع اليأس فأعظم ما تواجه به خذلان الحياة.. ابتسامة».
آخر السطر:
كلنا بنروح يافهيد.. ولايبقى غير الذكر الطيب.. بس ليتك تسمع.

بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي