كتاب وأراء

الذكريات لاتزال في صدري (1)


الذكريات وليدة الذاكرة، نعمتان أقل غدرًا من نعمتي الثراء والجمال، فالذكرى أكثر استدامة وأشد وطأة والتصاقًا بنفس الإنسان، فيما الثراء والجمال لا يعدوان سوى محطات يعبرهما المرء هرولة على مر الأيام فينزل منهما بمحطة تبدل الأحوال أو لربما يُقذف منهما عُنوة إثر حادث مباغت أو قد يسقط بفعل ضربة تأميم تطال الأثرياء فتجعلهم أحاديث لعهد مضى أو بفرض ضرائب عقارية مستحدثة تطيح بمدخرات العمر التي تجمعت في عقار.
وكم استعمرتني ذكرياتي مع الإسكندرية، ما يزعج حاضري من فرط تداعيها كنوّات الشتاء تلك التي تدق على نافذة العمر فتدك أمس المرء وتحيل يومه وغده لشرود يسكنه أو لربما ينعشه في الوقت ذاته على ما فيه من اضطراب يبعثره، إلا أنه لا يمس شاهق ما بنيناه من ذكريات عمرناها بأرواحنا وخططناها بقصور شيدناها على رمالها.
ذكرياتي دائمة التنبيه بأن كان لي مع عروس المتوسط قصة حب سرمدية كما بين قيس والعامرية.
الإسكندرية تلك الفاتنة الساحرة المتناسقة المعالم، الشقية بالنهار، واللعوب بالليل، امرأة لم تنس يوما أنها ابنة الإسكندر وسليلة نسل عريق اختلطت فيه أمواجها بالشرق عدا كون رمالها قد تناسبت برباط قدسي مع شواطئ الغرب على مهر وقدره لآلئ البحر وأصدافه، مهما ثار بين المشرق والمغرب من تباعد الجزر، لأن التاريخ سطّر أن المد بتقاربه آتٍ لا محالة.
الإسكندرية هي امتياز للمكان كما أنها هبة الزمان للأكوان، موقعها ومكانها بالجغرافيا ومكانتها بين تاريخ المدن تحاكي مكانة يوسف بين الأسباط.
لطالما حققت تلك المدينة المتوسطية التوازن النفسي للمصريين سيما حين يرتحلون لمدن الرومان فلا يهابون جلال الغرب ولا ينبهرون بتبرج عمرانهم «القوطي» كون حسن مدينتهم يعلو على سواها من أمصار العالمين.
الإسكندرية مدينة تحصنك، فما أن تقترن بشطآنها حتى تحدثك نفسك أن ما عادت فتنة الغرب تعنيك، كزوجة مكينة لدى زوجها ما استطاعت أخريات أن ينلن من حظوتها.
الإسكندرية ماريا، حورية، كلما شاهدت سواها من بنات حواء، تيقنت أن الغلبة لتعرجات سواحلها ولروعة موانيها ولتقبب صخورها وأواه من زعفرانية رمالها أو كهرمانية شطآنها أو بهاء مراسيها ولعبق ضواحيها ولعراقة مكتباتها ولرونق زخرفاتها وجلال معمارها ولصفوة أعلامها ولفرادة طقسها، لحروة شتاها أو لزخات أمطاره وصقيعه، ولنسمة صيفها أو لرطوبته ونداه.
بكل عنفوانها تُذكرك أن قبالة شاطئها تنتصب أعرق المكتبات في التاريخ، كما ترسخت على عتباتها إحدى عجائب الدنيا السبع، وفي شارعها صفية زغلول سُحلت «هيباتيا» أول امرأة في التاريخ لمع اسمها كعالمة رياضيات وفلسفة وقد عرفها الشرق لا لكونها فقط ابنة لثيون، رئيس جامعة الإسكندرية القديمة لكن لأنها من طليعة من انتصرن لأبجدية العلم.
الإسكندرية هي الاستثناء الذي يثبت ولا يدحض ما طرحه دكتور يوسف زيدان في أن الجاذبية هي وفقًا لما نص عليه: «بالمعنيين الفيزيائي والمجازي فعل المجذوب لا الجاذب، أي ليست قوة كامنة في الجاذب»، إذ أن تلك المدينة جاذبة -لا محالة ولو مجازًا- لكل من عاش فيها بل لكل من زارها.
وفكرة دكتور زيدان تتمحور في أن الإنسان ينجذب لما يراه هو جذاب، حتى لو لم يكن جذابا بحد ذاته.. وأنا أستثني هذه المدينة.
كاتبة مصرية
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي