كتاب وأراء

عن الزج بالسكان في العلاقات الدولية

لم يعد السكان موضوعاً محلياً يخص كل دولة على حدة وإنما بات مع العولمة وتشبيك أركان الكون ببعضها مادة واسعة للجدل والخلاف في العلاقات الدولية. الصين وروسيا مثلاً بينهما حدود مشتركة تبلغ 4179 كم. وبينما يعيش سكان الصين المقدر عددهم بنحو 1.4 بليون نسمة على حوالي 9.5 مليون كم2، يعيش الروس ويقل عددهم عن 150 مليوناً على أكثر من 17 مليون كم2.
هذا التناقض جعل مناطق في روسيا تبدو وكأنها أرض بلا شعب بينما يبدو سكان في الصين كأنهم شعب بلا أرض. وهو ما لم تعد الجغرافيا والسياسة تتجاهله. يكفي أنه على مدى 18 شهراً حتى منتصف 2014 تسلل 1.5 مليون صيني إلى مناطق في شرق روسيا مما زاد من قلق ورقابة الحكومة الروسية.
وبرغم أن الهجرة أصبحت وقوداً لخلافات كثيرة في العلاقات الدولية إلا أنها تبقى مع ذلك في إطار المعقول السياسي. فالناس منذ بدء الخليقة وهم يهاجرون إما سعياً للأفضل أو هرباً من الأسوأ. وقد أصبح حجم الهجرة الدولية مهولاً حيث بلغ بحسب تقديرات «منظمة الهجرة الدولية» 244 مليوناً بنهاية 2015 بزيادة قدرها 41% عما كان عليه في سنة 2000.
أما ما يخرج عن المعقول فهو الزج بسكان بلد ما في خلافات لا ناقة لهم فيها ولا جمل في بلد آخر. وهو ما حدث في بريطانيا قبل أيام قليلة. فقد مثل رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» أمام لجنة في مجلس العموم للرد على أسئلتها بخصوص الوعد الذي كان قد قطعه على نفسه في 2010 عندما أصبح رئيساً للوزراء بالهبوط بعدد المهاجرين إلى بلاده دون المائة ألف سنوياً. سأله أحد أعضاء اللجنة كيف سيحقق هذا الوعد بينما يدافع عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي الذي وقع اتفاقاً مع تركيا يسمح لمواطنيها بحرية دخول أوروبا. هاجمه أحد النواب بأن تصويت البريطانيين للبقاء في الاتحاد الأوروبي إنما هو تصويت لمصلحة تركيا. واتهمه نائب آخر بأنه يدافع عن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وذهبت وزيرة الدولة للقوات المسلحة «بيني موردونت» إلى أن تركيا ستصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي خلال ثماني سنوات. ولم يكن أمام كاميرون لوقف تخويف البريطانيين بزحف الأتراك عليهم إلا أن قال: «لا توجد إمكانية لكي تصبح تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي في القريب العاجل. هم قدموا طلباً للانضمام في عام 1987، وفي حال الحفاظ على وتيرة التقدم الحالية فقد يصلون إلى لحظة الانضمام في عام 3000».
ورداً على ما قاله «كاميرون»، صرح «نعمان كرتولموش» نائب رئيس الوزراء التركي بأن «هناك بعض المسؤولين في أوروبا يدعون بأن أبوب الاتحاد ربما تفتح لتركيا مع حلول عام 3000 ومن حقنا مقابل هذه التصريحات أن نقول لهم بأن عليكم التفكير في إصلاح وضع الاتحاد بعد 30 عاماً» من تقدم تركيا بطلبها. ولا شك في أن اليمين الأوروبي سيجد ما يدعم به مواقفه المتشددة تجاه الأتراك في التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس التركي «أردوغان» عندما طالب المسلمين بالتوقف عن استعمال موانع الحمل معلناً أن بلاده ستزيد النسل. وما بين هذا وذاك وجد سكان تركيا أنفسهم إما أداة للتخويف في بريطانيا أو مجرد مادة بيولوجية للتفريخ في بلادهم.
وكم تحفل العلاقات الدولية بأمثلة للزج بالسكان في تعقيداتها. هناك مثلاً دول تقلق من معدلات الخصوبة لدى دول أخرى. الإسرائيليون يقلقهم كثيراً أن معدل الخصوبة لدى المرأة الفلسطينية برغم تراجعه في 2015 ما زال يصل تقريباً إلى ضعف معدل الخصوبة عند الإسرائيلية (4.1 لكل فلسطينية مقابل 2.6 لكل إسرائيلية). وهي المقارانات التي تقلق منها روسيا (1.61) أمام الجمهوريات الإسلامية المتاخمة لها مثل كازاخستان (2.31) وطاجيكستان (2.71) وقرغيزستان (2.66).
الزج بالسكان في الخلافات الدولية أمر خطير لأنه يحولها من خلافات بين الحكومات على المصالح والأولويات إلى مخاوف بين الثقافات والشعوب. وإذا كان لصناعة الكراهية في العلاقات الدولية ألف باب فإن الزج بالسكان فيما ليس لهم ناقة فيه أخطرها. فالسكان في اللغة من السكينة والسكن. أما السياسة الدولية فتحيلهم للأسف إلى ما يشبه السكاكين.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات