كتاب وأراء

مقاربة فلسفية لحل «الأزمة»

مضى أكثر من عام على الأزمة الخليجية الراهنة «حصار قطر» اختلط فيها الزمن الكوسمولوجي بالزمن النفسي، الزمن الكوسمولوجي بما هو الزمن المعروف أيام وشهور وسنون والزمن النفسي بما هو الإنسان وشعوره وأحاسيسه داخل هذا الزمن الكوسمولوجي. هوةٌ كبيرة بين هذين الزمنين، لم ننتبه ولم ندرك بأن هذه الهوة وهذه الفجوة بين هذين الزمنين لا يمكن ملؤها إلا من خلال الاعتراف والسرد، الحصار كزمن كوسمولوجي له أكثر من عام ولكنه كزمن نفسي ليس كذلك خاصة أن الشعوب غير مسؤولة البتة لا عن أسبابه ولا عن نتائجه فهو زمن نفسي للسلطة وليس للشعوب. وذلك يبدو واضحاً من إصرار سلطات دول الحصار على الحل النيتشوي له عن طريق القوة والإخضاع وهو ما ثبت بطلانه وعدم قدرتها على فرضه بالرغم من جميع محاولاتها لأنها لا تدرك كما ذكرت المسافة بين الزمن الكوسمولوجي والزمن النفسي التي لا يمكن ملؤها إلا عن طريق السرد والاعتراف والحوار. خاصةً أن الإصرار على الحل النيتشوي وسياسة القوة يضعها هي أيضاً ضمن جدول الإنسان السوبرمان وتصبح بالتالي وسيلة له لتحقيق رغباته وإملاء شروطه وهو ما يمثله ترامب خير تمثيل، أعتقد الآن أنه بات واضحاً للعيان أنه للخروج من حالة الابتزاز ليس في الاستمرار في طريق محاولة الإخضاع بالقوة والسياسة النيتشوية الذي يمثلانها دونما إدراك بالعواقب كل من المحمدين، بل الحل عن طريق اعتماد فلسفة التواصل الاجتماعي الذي يمثلها هابرماس وتلميذه هونيث وفلسفة الاعتراف كذلك التي يمثلها بول ريكور، فالحوار شكل من أشكال النضال وليس كما يظنه البعض مجرد مناقشة بعض النقاط وتلافي العداء وأسس الخلاف، فالحوار إذا ما اشتمل على الاعتراف المتبادل وتحديد الأخطاء والخطايا ومن ثم الغفران والتسامح من جميع الأعضاء، لأنه ليس هناك خطأ ولا خطيئة مجردان دون شروطهما الموضوعية، خاصة كما قلت إن الشعوب ليسوا أطرافا حقيقية في هذا الخلاف، في هذه الأزمة لا يجب استحضار فقط المصلحة والمنفعة وهو ما يجعل من الحل النيتشوي مدخلاً ولكن يجب استحضار النموذج الأخلاقي الذي يجعل من الاعتراف المتبادل والحوار القائم على النضال حتى يصبح منهجاً تواصلياً وليس مجرد وعود تطلق، من هنا فقط يمكن أن نملأ الفجوة بين الزمن الكوسمولوجي الذي يتطاول يوماً بعد آخر والزمن النفسي الذي يزيد احتقاناً يوماً بعد آخر كذلك والذي كل ما استمر أكثر كلما استحوذ أكثر وأكثر على فكر الشعوب وجعل منهم موضوعاً له وإن لم يشاركوا أصلاً في أسبابه ولكنهم مع استمرار الوضع كما هو سيتحملون نتائجه بلا شك.
بقلم:عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر