كتاب وأراء

الشقيقتان

إحدى مهام الأمومة التي لا تروق لي هي الفض في المنازعات بين الأبناء.
وما أصعب هذه المواقف على الآباء لمحدودية قدراتهم البشرية إذ تتنازعهم مشاعر المحاباة للأبناء بمقابل الولاء للحق.
أجد صعوبة بالغة في التحيز لطرف من أبنائي على حساب آخر، ولأن قدراتي بشرية، يغلب عليها نظرة محدودة، تعجز عن التحليق في شتى الأبعاد، إلا أنه يؤثر في منظر ضعيفهم.
على أني أكبر انحياز يعقوب ليوسف عليهما الصلاة والسلام، لما لمس حقد أكثرية إخوته وتحزبهم ضده، فقام بتحذير يوسف، إذ قال
:«لا تقصص.... فيكيدوا لك كيدًا».
أكد تحذيره من غدر إخوته باستخدام «المفعول المطلق» المؤكد للفعل لا المبين للنوع كونه كأب كان يجهل نوعية كيدهم لكنه كان يستشعر من الشواهد أن ثمَ كيد سيحاك تجاه ابنه يوسف. كم أمقت المواقف المضللة للآباء حين يلمسون تجبر أحد أبنائهم بإزاء الطرف الآخر، ومع هذا تمضي الأم في تضليل ابنها الذي يلمس غيرة أو غل أخيه، فتقول:
«أخوك الغلبان، ركب مواصلتين وصمم يذاكر لبناتك حتى لا ينكشفن على مدرس غريب، ترك شغله حتى يستر بناتك، مع أنه محتاج، اعطيه شقتك في مدينة نصر يتزوج بها، اشترِ له عربة».
أخبرونا صغارًا أن يعقوب فضّل يوسف على إخوته لوسامته، وهذا لم أسمع مثيلاً له، لقد كان يوسف مقيمًا عند عمته «فائقة» تلك التي توسلت لأخيها يعقوب ترك يوسف ليقيم معها كونها بلا أبناء، فكان يوسف يأتي لزيارة دار والده كضيف، فطبيعي أن يحتفي الأب بابنه في السويعات القليلة التي يراه فيها أكثر من سائر أبنائه المقيمين معه. فكان ملاطفته له ناتجة عن شعوره بتقصيره في احتضانه له خاصة أن «راحيل» والدة يوسف وبنيامين كانت قد رحلت لا كون يُوسف أجمل أخوته.
بالمقابل، كان حقد إخوته يشتعل بسبب تنصتهم على حديث يوسف مع والدهم حينما قص عليه له الرؤيا، فأولوها بأن يوسف سينال شرف النبوة، وهذا الشرف بتوريث النبوة هو مناط النزاع.
ولقد كان يعقوب خبيرًا بغيرة الإخوة فقد عانى منها شخصياً مع أخيه التوأم «عيسو بن إسحاق»، الذي ولد قبيل يعقوب بدقيقة، ليأتي يعقوب في عقبه ماسكًا بكعب «عيسو» توأمه، فسموه يعقوب، وهي بالعبرية تعني ما جاء في عقب أخيه، وحتى بالعربية تعني نفس الشيء.
وقد شعر«عيسو» بالغيرة من أخيه حين علم أن النبوة من نصيب يعقوب.
تصادفنا لحظيًا مشاكل تعتاص علينا، حيث إن هيئة بعض الأبناء توحي بالضعف، وهذا فخ وقعت فيه شخصيًا، فقد كنت أتحيز لصغرى بناتي كونها الأضعف ما يوحي بأنها مهيضة الجناح، كما أن لغتها كرتونية، فصحى ومحببة.
فقد تترك واجبها لتخطرني بحدث جلل فتقول: «أخطرك أمي بحادثة وقعت لي في التو، فلقد تجشأت، ثم حزقت تباعًا.. تعسًا» فاضحك من فُصحتها وفَصاحتها.
الشاهد، استمر تحيزي للظاهر الضعيف على حساب الكبير القوي، حتى قرأت رسالة ابنتي الأكبر التي كتبتها لنفسها، وقد كتبتها بانجليزيتها التعسة وكانت تشتكي فيها عنت أختها وعبرت فيها أنها صارت تكره تلك الأخت، كون وجهها طفولي ما يجعل أمهما تتحيز لها رغم أن أختها تضايقها» FROM UNDER TO UNDER».
لكثر ما يتم مضايقاتنا نحن كبشر FROM UNDER TO UNDER، وإن كان من السهل أن نخدع بعضنا بعض كبشر، لأن بعض الأنام لئام.
لكن رب العالمين خبير بما تخفي الصدور، فلا ينخدع بمظهرٍ بريء.
كاتبة مصرية

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي