كتاب وأراء

المقاصد والغايات

على عرفات الله يقف الحجيج غدا.. على صعيد واحد بزي واحد، ملبين ومهللين ومتضرعين إلى الله تعالى ليؤدوا الركن الأكبر من أركان فريضة الحج. صورة عظيمة للوحدة امتاز وتفرد بها ديننا الحنيف، دون أن يستلهمها المسلمون ويتمثلونها في حياتهم بكل أسف.
ورغم يقيني أنه يتوجب على المسلم أن يعبد الله بما تعبده به، وأن يؤدي العبادات بالصورة التي فرضها الله تعالى، وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يقينا آخر يسير بالتوازي معه، وهو أن للعبادات غايات ومقاصد، وآثارا لابد أن تنعكس على سلوكه، وليست مجرد طقوس.
وفي هذا يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – «والعبادات التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركاناً في الإيمان به ليست طقوساً مبهمة من النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها، كلا فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكاً بهذه الأخلاق، مهما تغيرت أمامه الظروف.. إنها أشبه بالتمارين الرياضية التي يُقبل الإنسان عليها بشغف، ملتمساً من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة. والقرآن الكريم والسنة المطهرة، يكشفان بوضوح عن هذه الحقائق».
ثمة إجماع بين العلماء على غايتين تتغياهما العبادات في الإسلام بشكل عام، أولاهما الحث على وحدة الأمة، وذلك بالحث على أداء العبادات جماعة، ورفع الله شأن القيام بها جماعة، ففي الصلاة شرعت الصلاة جماعة، وفي الصيام: يصومون شهرًا واحدًا، وهو رمضان، في وقت واحد، ويفطرون في وقت واحد، وفي الزكاة يقف الأغنياء بجانب الفقراء، فيحصل تكافل وتعاون، وفي الحج: في وقت واحد، ومناسك واحدة، وزي واحد.
المبدأ الثاني أو الغاية الثانية، هي التأكيد على مبدأ المساواة: وهذا ما أكده الإسلام من خلال العبادات التي فرضها الله سبحانه، ففي الصلاة: افترضت على جميع الناس، ويقفون صفًّا واحدًا، وفي الصيام: كل الناس يصومون، وفي الزكاة: كل من بلغ النصاب يزكي، وفي الحج بمناسك واحدة، وزي واحد
ولعل من اللافت أن يكون مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، من أول المبادئ التي أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم، في خطبته التي ألقاها في حجة الوداع، عندما قال «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد».
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى