كتاب وأراء

الفول السوداني

ببداية فترة الحمل، اشتريت كتابا عن مراحل تطور الجنين، نصح خلاله المؤلف الحامل بتناول الفستق لغناه بـ «الفوليك اسيد» الضروري للنمو السليم للطفل.
والمقصود بالفستق هو الفول السوداني، كون الفقراء يستعيضون بالسوداني لضآلة ثمنه مقارنة بالفستق الحلبي..
لذا، قررت مذ أن وهبني الله الولد أن أخدم نفسي، أبنائي وزوجي بتقديم الآنية الأفخم لنا. الفستق الحلبي - لو متوفر- فلهم. «النيش» بما فيه تحت إمرتهم، المطبخ قيد إشارتهم.
إن أرادوا طاولة الطعام، حيا وهلا ولو أرادوا المطبخ فلا بأس.
فأولوياتي بإزاء عائلتي واضحة، إذ أضع نفسي ثم زوجي مع أبنائي على رأس الأولويات.
- لم يمنحني الله هبة الأبناء بعد طول عناء إلا لأعي قيمتهم لا لأرازيهم، أو لأتركهم فريسة لمشاعر التهميش تنهشهم، فلن أسمح بأن يخالج أبنائي شعور بأن مرتبتهم تثاني الضيوف أو أي آخر.
لن أحولهم لكائنات شرهة تتوق لانصراف الزائرين لينكبوا على ما تبقى من صحن «الإسكالوب».
لن أقدم للزوار الفستق الحلبي فيما أخص الغوالي بالفول السوداني.
- أصدقاء أولادي تضاء لهم الثريات ولم أقدم لطفل أو لحرفي ضيافة في آنية بلاستيكية، بل أضيف العمال بآنية الأسياد، وإن كسر أحدهم شيئا أقول: «كسر وخسر، فداء دخلتك علينا».
قد تكون الأطقم لدينا قد انتقصت، لكن لن ينسلخ شبابي إلا ومحبتي لصغاري أكمل من آنية سليمة كانت أو منكسرة.
- أهدتني ابنتي عقدًا بيوم ميلادي، ثم سألتني بعدها بأسبوعين: لما لم ترتدين العقد سوى مرتين يا أمي؟
اعترفت: أعتذر، لقد انفرط العقد مني.
قالت: «كسري خسري حبيبتي» ثم ضمتني بشدة، لا، بل بحنان يخلو من الشدة، ثم أخذت العقد، وردته سليماً بعد أن بحثت في «الإنترنت» عن كيفية إصلاحه.
كم شعرت أنها أنا، نعم، لقد تمثلتني.
- أوصي صغاري لدى زيارة المعارف أن مساعدة الغير مَحْمَدة، لكن حري أن تتم في حدود، فمسموح بنقل الأطباق عقب الانتهاء من الطعام، لكن بالوقت ذاته، أدربهم على الرفض المهذب لطلب أحدهم له بكنس الأرض أو غسل الصحون أو الانحناء للم القاذورات، كما أحرص على ضرورة تنبيههم بإبلاغي لو لمسوا معاملة غير لائقة معهم.
غني عن الذكر أني أرحب بمعاونة أبنائي في أعمال البيت أو إذا ما انضموا لفرق كشفية، لكن شتان بين الخدمة التعليمية وأخرى تمارس بسيف الاستغلال للطفولة.
- يشرفني ضيف بالزيارة فأرحب:»دعسة قدميك عندنا بالدنيا، لكن اسمح لي أن أؤثر زوجي وأولادي بالتقديم لهم أولًا لعظم مكانتهم».
وما من زائرٍ قد انصرف حانقًا من بيتنا، بل يرحلون سعداء وربما يسرني أحدهم: «ستجعليني أعيد ترتيب حساباتي» - أستثني من هذه الفعلة المسنين.
- كتبت يوما مقالًا دعوت فيه لعدم القسوة على الأبناء إذا ما أتلفوا شيئاً.
فكسرت صغيرتي عودي الرنان في نفس الأسبوع، لكن بفضل الله لم أكسر خاطر ابنتي بكلمة.
كانت من المرات القليلة التي توافقت فيها لياقتي الفكرية مع ممارساتي العملية فيما يعرف بالولاء للقناعات وتفعيلها.
- كنت قد قررت بعدم السماح لصغاري بدخول مكتبي، لكوني ضعيفة التركيز الذي أعتازه أثناء الكتابة. لكن ها هم حولي وأنا أسطر هذا المقال.
أحيانَأ، أطالبهم بالذهاب لغرفهم من فورهم، وأغلق مكتبي لإنهاء أعمالي.
لكن أواااه عند فتح الباب، إذ هالني يومًا مشهدهم نيامًا، يفترشون عقب بابي.
أحملهم لغرفهم، أقبل الجباه، ألثم الشفاه، أتحسس الأطراف، أتلمس الأهداب، أتشمم الأنفاس، وأربت على المتن كله ثم استغفر.
باليوم الثاني يتوسلون أن اتركينا ننام جوارك، أرفض معلنة «لاءات» عربية، ثم تلتقي الأعين وإذ بنظرات تتوسل العطف، يليه صمت الإيجاب، وما أن يلمحوا الموافقة، فيتهللوا بإعلان انتصارهم في معركة البقاء.
أي نعمة هذه وأعظم منها نعمة الإحساس بها وأي حمد يوفيها حقها؟ اللهم دمهم ودمها ودمتم جميعًا بخير في هذه الأيام المباركة.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي