كتاب وأراء

لا فاقدين
ولا مفقودين!

منذ أن وعيت على هذه الدنيا، وأنا اسمع دائماً تلك العبارة التي تتناقلها الأفواه، في كل مرة يقترب فيها دخول شهر رمضان الكريم، العبارة هي «اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين»، في الحقيقة لم أفقد أحدا في حياتي منذ فترة طويلة جداً، لذا، لم تكن هذه العبارة تحمل بالنسبة لي عدد من الدلائل النفسية، لم أكن أتصور أنه من الممكن أن أكون قريبة من الموت يوماً ما، أو أن أحداً من أسرتي يمكن أن يكون كذلك، ففي كل عام نتداول هذه العبارة سواءً قبل أن تظهر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أفقنا، حينما كانت الرسائل النصية هي كل ما نملك حينها، تمتلئ ذاكرة هاتفنا الجوال بهذه العبارة، ونعيد بدورنا إرسالها إلى من حولنا، دون أن ندرك ولو لمرة واحدة قيمة ما تحمله هذه العبارة أو هذا الدعاء.
في كل عام لا يزيد إصراري على معرفة خبايا هذه العبارة المليئة بالسحر وأحياناً الخوف ورائحة الموت، عبارة تهبك إيحاء بمدى أهمية صيامك لهذا الشهر الكريم، ربما أكون مثل البعض الذين يعتقدون بأننا سنعيش طويلاً، طالما أننا لم نعاني من أية أضرار صحية، وطالما أن أسرتنا بخير، ومن حولنا أيضاً بخير، ولكن ما أن نكبر بعض الشيء، وتضيق أنفسنا ممن حولنا، ونبدأ في التعرف على معنى الفراق والوداع الأبدي، على الأخص فراق أحد الوالدين، وهما أهم شخصين في حياة كل منا، نصاب بصدمة كبيرة لا يمكن أن نتجاوزها بسهولة، لا يمكن أن تغفل أعيننا عن مواجهتنا لها، وأحياناً يصاب عقلنا بشيء من الخلل، والسبب هو أننا اعتدنا دون أن ندرك ذلك حقاً، بأننا مخلدون في الحياة، وبأن من حولنا هم أيضاً مخلدون معنا، ولا يمكن لأحدهم أن يفارقنا مطلقاً، لأنهم سيبقون معنا حتى النهاية، حتى وأنت تودعهم الوداع الأخير، يبقى سؤال لا تستطيع أن تبوح به لمن فارقك، وأنت تضع قبلتك الأخيرة على جبينه مودعاً إياه، تسأل من دون أن تتعرف على صوتك، لماذا فارقتني ولم تبقى معي كما كنت أتصور أو أتخيل؟
ويقول واسيني الأعرج، دائماً نتخيل أن الموت بعيد جداً عن أحبائنا، يمكنه أن يزور الجيران، الأصدقاء، لكنه بعيد عمن نحبهم، وهكذا فسر الأعرج ما نكمنه في مشاعرنا من دون أن ندرك أنها الحقيقة كاملة.
هذا العام حينما وصلتني تلك الرسائل التي تبارك لي بقدوم شهر رمضان المبارك، مع ذلك الدعاء النبيل «لا فاقدين ولا مفقودين»، بدأت أعيد التفكير مرة أخرى، بدأت أدرك أنني أنا وغيري كم نمتلك الحظ الأكبر، أن نلتقي بهذا الشهر الفضيل لكي نعيد حساباتنا ونتكسب من الخير الذي يفيض به الله عز وجل علينا، ودعائي الذي لن يجف من حلقي طيلة هذا الشهر الكريم، «اللهم أتمم علينا صيامنا وطاعتنا، وتقبله منا يا الله بقبول حسن لا فاقدين ولا مفقودين».
وكل عام وأنتم بخير، ورمضان كريم على جميع المسلمين والمسلمات حول العالم كافة.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر