كتاب وأراء

من سرق «الفكرة» القومية؟

لم تتعرض فكرة اجتماعية للسرقة مثلما تعرضت الفكرة القومية، عندما ألحظ الغضب العارم عند هذه الاجيال من مجرد ذكر الفكرة القومية أدرك حجم السرقة التي تعرضت لها هذه الفكرة، ولدت هذه الفكرة في الأساس كفكرة اجتماعية تعبر عن مصالح المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج وخلفها العديد من الأسباب منها محاولات هضم حقوق العرب كقومية من قبل الاستعمار وزرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، كانت فكرة مشاعا لكل أفراد المجتمع العربي ووضع روادها تصوراً نهضوياً في نقد الاستبداد والانخراط في العصر والدفاع عن المرأة وغير ذلك من التطلعات المستقبلية التي تضع هذه الأمة على طريق المستقبل. الخلط الذي كان منتشراً لدى الاوساط المجتمعية بمن في ذلك النخب السياسية والثقافية هو بين الفكرة القومية والمشروع القومي، هذا ما يزعجني أكثر وألوم هذه النخب التي شوشت على عقول الشباب إلى درجة أنها أصبحت تصب جام غضبها على الفكرة بدلاً من المشروع، في حين أن هذه الفكرة حتمية في اعتقادي لتجاوز سقوطنا المدوي الذي نعايشه اليوم بكل أسى وحزن. الحقيقة أن الفكرة القومية التي هي بمثابة رافع اجتماعي تحتاجه الأمة لم تتحق أو لم يثبت التاريخ تحققها وإلا في اعتقادي لما سقطنا في أتون الطائفية. لم تبق الفكرة القومية مشاعاً لأبناء الأمة وإنما استولت عليها فئات واحتكرت تفسيرها، تماماً كما تستولي الفرق الدينية على الدين وتحتكر تفسيره والتعبير عنه دون غيرها، من الفرق والطوائف. تحولت الفكرة الاجتماعية بالتالي إلى فكرة سياسية، كما يتحول الدين إلى مشروع سياسي أو إلى أيديولوجيا سياسية، هذه المقدمة أراها ضرورية لتحرير الفهم لدى الشباب وحتى النخب من رهاب الفكرة القومية بفك ارتباطها في أذهانهم عن المشروع القومي الذي عايشوه أو حتى سمعوا به. عزلنا للفكرة عن محيطها الاجتماعي. سياسياً تمأسست الفكرة في أحزاب سياسية في مناطق محصورة من عالمنا العربي هي أشبه بقبائل واحتكرت الحديث عن تطلعات الامة وآمالها وبالتالي انتقلت إلى الحيز السياسي من الحيز الاجتماعي بشكل مشوه نظراً لعدم وجود أرضية صالحة لقيام أحزاب ديمقراطية حقيقية لتصبح بعد ذلك حيزاً تسلطياً بعد استيلاء العسكر عليها، أنا من المؤمنين أن تاريخ الأمم وتشكيل كيانتها مرت جميعاً تقريباً بنوع من الوعي الاجتماعي القومي. الفكرة القومية تمت سرقتها في عالمنا العربي مرتين، مرة من السياسيين الذي حولوها من فكرة اجتماعية إلى فكرة سياسية مغلقة، والمرة الأخرى من العسكر الذين حولوها من فكرة اجتماعية ايضاً إلى أداة للسلطة وامتلاكها، طبعاً لا يمكن إغفال الظروف التاريخية ومراحل تحولات المجتمع العربي، إلا أن أخطاء المشروع القومي يجب ألا تخفي جوهرية الفكرة وهذا ما ألحظه سائداً بشكل كبير لدى قطاع عام واسع في ظل ظروفنا المعاشة حاليا، ماذا لوكانت هذه الفكرة القومية راسخة في الاذهان ألم نكن قادرين على إيضاح الفرق بين نظام صدام أو النظام الناصري وأخطائهما وبين فكرة القومية العربية؟ هل كنا سنسمح بسقوط العراق كفكرة قومية من أجل التخلص من صدام كمشروع قومي منحرف؟ ماذا لو كان الفرق واضحاً في أذهاننا هل سنحاصر دولة عربية وشعبا عربيا شقيقا بدعوى أخطاء النظام؟ لو كانت فكرة القومية العربية الاجتماعية أساساً واضحة في أذهاننا هل كنا سنعمل على إشعال بذور الطائفية البغيضة بين شيعي وسني ومسيحي ومسلم ووهابي وأشعري؟ ما نعايشة اليوم هو الدوران حول أنفسنا حتى السقوط، لا بديل عن الوعي بفكرة القومية العربية للنهوض، لن تنقذنا المشاريع الخارجية فالتخلص من رهاب المشروع القومي يتطلب العودة إلى أصل فكرة القومية الاجتماعي، نحن بحاجة إلى مؤتمر كمؤتمر ويستفاليا المنعقد في 1648 الذي أقر بمصالح دول أوروبا القومية فوق خلافاتها السياسية والدينية لتخرج دولا وطنية وديمقراطية بعد ذلك.
بقلم: عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر