كتاب وأراء

من تبرئة الصهيونية إلى تقنين العنصرية

من بين أخطاء جسيمة تساهل العرب معها، بل وساهموا في تفاقمها، إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379، الذي صدر في العاشر من نوفمبر 1975 وقضى بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية. في ذلك الوقت كان العرب أفضل، ولهذا تقدمت عشرون دولة عربية معاً ومعها خمس دول أخرى بمشروع ذلك القرار الذي حاز في حينه موافقة 72 دولة مقابل اعتراض 35.
لكن بعد ستة عشر عاماً أصدرت الجمعية العامة في 16 ديسمبر 1991 قراراً آخر برقم 46/86 قضى بإلغاء القرار 3379. وكان إلغاؤه أحد مطالب إسرائيل لحضور مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في أكتوبر 1991، وهو الشرط الذي تجاوبت معه الدول العربية بشكل أو بآخر. فقد تغيبت عند التصويت على إلغاء القرار وفود ثماني دول عربية حتى لا توافق على الإلغاء فتحرج نفسها أمام شعوبها أو ترفض إلغاءه فتُغضب الولايات المتحدة. أما الدول العربية الثلاث عشرة التي عارضت إلغاءه فكان موقفها تحصيل حاصل بعد أن وصل عدد الدول الموافقة على القرار الجديد إلى مائة وإحدى عشرة دولة.
ومنذ أن ألغت الجمعية العامة ذلك القرار وإسرائيل تتعامل بعنصرية متزايدة مع الفلسطينيين وباستعلاء على كافة العرب إلى أن وصلت مؤخراً إلى حالة اطمئنان شجعتها على القيام بحركة عكسية. فبعد أن حاصرها العرب في سبعينيات القرن الماضي بقرار أممي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري، بدأت في يوليو الفائت في تقنين ممارساتها العنصرية فأصدر الكنيست قانون القومية الذي شرعن التمييز وأضفى عليه قوة إلزامية تتكئ عليها حكومة نتانياهو لتكملة حلم الصهيونية بتصفية القضية الفلسطينية ديموغرافياً بعد أن أضعفتها استراتيجياً.
ولم يكن ذلك التحول غريباً، فما بين 1975 و2018 مرت أكثر من أربعة عقود تمتعت فيها إسرائيل بدعم أميركي كان يتضاعف كل عام. كما شهدت تلك الفترة تحول العرب من عمق لبعضهم إلى عبء على بعضهم ما سهل مهمة إسرائيل كثيراً. وانقسم الفلسطينيون أيديولوجياً فأضعفوا قيمة القضية القومية المفترض أن تجمعهم. وبلا شك فقد اجتهد الإسرائيليون وحصنوا أنفسهم بعلاقات دولية قوية واستعدادات تكنولوجية متقدمة. لكن تكاسل العرب لا بد من أن يُذكر. فبعد أن تراخوا فسمحوا لإسرائيل بإلغاء قرار الجمعية العامة اكتفوا بالشجب عندما بدأت بتقنين العنصرية فأصدرت ما يسمى بقانون القومية.
وينص القانون الجديد بلغة لا تتستر على العنصرية على أن «دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي»، وأن حق تقرير المصير يقتصر في دولة إسرائيل على اليهود وعلى أن العبرية هي لغة الدولة الرسمية. وهي تشريعات تُغرق في التفرقة والتمييز فتضع اليهودي سيداً على الملايين من أصحاب الأرض الأصليين الذين سيبيتون بحكم القانون مهددين بالنفي والترحيل أو التحول إلى كتلة من عديمي الجنسية أو لو صادفهم حظ سعيد قد يتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية.
وبرغم أن الأمانة العامة للجامعة العربية شجبت القانون الإسرائيلي الجديد، وبرغم صدور تنديدات عربية رسمية متناثرة وأخرى غير رسمية ضد القانون إلا أنها لا ترقى في ظل موازين القوى القائمة إلى إضافة عربية لها قيمة أو معنى. بعبارة أخرى، كشف التشريع الإسرائيلي الجديد الضعف العربي المستمر الذي سمح لإسرائيل في 1991 بإلغاء قرار دولي يتهمها بالعنصرية ثم عاد ليشجعها في 2018 على التمادي بتقنين العنصرية وتحويلها إلى تشريعات يحاول نتانياهو أن يمررها غير مكترث بمعارضيه من الدروز والشركس والعرب والبدو بل وحتى يهود ينتمون إلى اليسار زاعماً أن الأمر بات ملزماً بعد إقراره بموجب تصويت ديمقراطي شفاف. كما يحاول كذلك تسويقه دولياً باعتباره حقا ًسيادياً ليس لأحد أن يعترض عليه مستفيداً من الدعم غير المسبوق الذي تقدمه المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة منذ مجيء ترامب إلى السلطة.
وليت العرب ما تسرعوا فجلسوا في مؤتمر مدريد للسلام. وليتهم ما تخلوا عن قرار أممي كان يتهم إسرائيل بالعنصرية ليحرموا أنفسهم من أحد أوراق القوة التي كان يجب أن يساومون بها. لكن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء وإنما تمضي قدماً. وقد مضت بمشقة منذ 1975 إلى أن وصلنا إلى تلك اللحظة الفلسطينية والعربية المرعبة حالياً. فالتصفية التي يطلقها قانون القومية الجديد لن تكون فقط للقضية الفلسطينية وإنما للخريطة الاستراتيجية العربية بأكملها. فهذا القانون كما يصفي القضية الفلسطينية يبعثر الحسابات العربية ويفتح أبواب جهنم جديدة بين العرب وبعضهم عندما يجدوا أن عليهم أن يتعاملوا مع تبعات التصفية العنصرية التي تمضي فيها إسرائيل بلا حدود في حق القضية الفلسطينية. فهل من منتبه؟

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات