كتاب وأراء

جديد مؤتمر آسيان الأخير في سنغافورة

أنهى وزراء خارجية منظمة «آسيان» مؤتمرهم السنوي الـ51 في سنغافورة مؤخرا وسط اهتمام غير مسبوق لعدة أسباب. فالمؤتمر هو الأول الذي ينعقد بعد «قمة العصر» الأميركية ــ الكورية الشمالية في يونيو المنصرم، وبالتالي كان متوقعا أن يطغى موضوع نزع السلاح النووي والصاروخي لبيونغ يانغ على أعماله، خصوصا في ظل تواجد وزير خارجية بيونغ يانغ «ري يونغ هو» لأول مرة في مثل هذا الاجتماع الآسيوي الكبير إلى جانب نظيره الأميركي «مايك بومبيو». حيث أكد الأول للمؤتمرين التزام بلاده بما تم الاتفاق عليه في قمة العصر، فيما قام الثاني بالضغط على دول آسيان لمواصلة العقوبات على بيونغ يانغ إلى أن تتخلى عن برامجها النووية والصاروخية.
العامل الآخر الذي جعل المؤتمر محط اهتمام المراقبين هو أن حضوره لم يقتصر على دول الآسيان العشر فحسب، وإنما حضرته أيضا كل الدول التي ترتبط بالمنظومة بآليات حوار محددة أو متعددة المستويات، ناهيك عن تلك المرشحة للانضمام إليها كدول مراقبة. وهكذا شارك في المؤتمر على مستوى وزراء الخارجية أو مساعديهم كل من استراليا ونيوزيلندا وكندا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وإيران وباكستان، إضافة إلى الولايات المتحدة وكوريا الشمالية كما أسلفنا. وفي هذا السياق كان لافتا مشاركة تركيا للمرة الأولى ممثلة بوزير خارجيتها «مولود أوغلو»، بل وقيام الأخير بعقد لقاء مع نظيره الأميركي لبحث علاقات بلديهما الثنائية المضطربة على خلفية رفض أنقرة طلبا من واشنطن باطلاق سراح القس الأميركي «أندرو برانسون» المتهم بممارسة أنشطة إرهابية، وهو الرفض الذي ردت عليه واشنطن بتجميد ممتلكات وأصول وزيري الداخلية والعدل التركيين، مع التهديد بفرض عقوبات أخرى. كما كان لافتا تحركات وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» الذي حضر هو الآخر المؤتمر وسط غياب عربي كامل.
راودت دول آسيان الأمل بالتوصل إلى اتفاقية مع موسكو حول الأمن الإلكتروني بموجب وثيقة جماعية مسبقة أصدرتها المنظمة التي عانى بعض دولها، ولاسيما سنغافورة، من هجمات الكترونية مصدرها روسيا. فعلى سبيل المثال قام قراصنة روس بسرقة معلومات من قاعدة بيانات حكومية خاصة بالحالة الصحية لأكثر من 1.5 مليون شخص بمن فيهم رئيس الوزراء «لي هسين لونغ». كما كانت هناك قرصنة مماثلة استهدفت قاعدة بيانات البنك المركزي السنغافوري لولا نجاح السلطات السنغافورية في إحباطها. وبطبيعة الحال فإن دولا أخرى في المنظومة مثل الفلبين وميانمار ولاوس وكمبوديا وفيتنام لا تملك ما تملكه سنغافورة من إمكانات لإحباط مثل هذه الهجمات الإلكترونية وبالتالي كان هناك إجماع وتشديد قويان على صياغة مسودة الوثيقة المذكورة وضرورة التوصل إلى اتفاق سريع مع الروس لوضعها موضع التنفيذ. غير أن مثل هذا الاتفاق المقترح لم ينل ردا إيجابيا من وزير الخارجية الروسي المشارك «سيرغي لافروف».
مفاجأة المؤتمر تمثلت في إصدار وثيقة تختص بالعمل والتعاون مع الصين التي تراها بعض دول المنظومة قوة توسعية تسعى للهيمنة، خصوصا في ظل النزاع القائم بين الصين وكل من الفلبين وفيتنام واندونيسيا وماليزيا وبروناي حول السيادة على مجموعة من الجزر الصغيرة.
الوثيقة عبارة عن مدونة سلوك في بحر الصين الجنوبي هدفها النهائي هو إبرام اتفاق مع الصين تلتزم فيه الأخيرة التعاون مع دول آسيان التي تنازعها السيادة على الجزر في أعمال الكشف عن الثروات المعدنية بدلا من القيام بمفردها بإقامة منشآت عسكرية ومدنية فوقها وتغيير معالمها من جانب واحد. غير أن هذا الأمر يبقى من قبيل الأماني، خصوصا إذا ما علمنا أن الصين ماضية في خططها دون إبداء أي ليونة، بدليل رفضها تنفيذ حكم محكمة العدل الدولية في 2016 والذي جاء في غير صالحها، واستمرارها في بسط سيادتها على الجزر ومواصلة عسكرتها واستغلال مواردها.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني