كتاب وأراء

دعوة إلى التهميش البنَّاء

انتقل العالم العربي خلال سبع سنوات من حلم إلى كابوس، وهبطت معنويات سكانه بسرعة بعد أن تحولت وعود الثورات العربية بمستقبل مشرق إلى واقع مقلق.. كان الناس يتوقون إلى كسر الأسوار التي حالت بينهم وبين المجال العام واستعادة ما يشعرون بالفطرة المدنية أنه حيز يجب أن يكون لهم فيه دور ورأي وتأثير. ما لم يفهمه كثيرون إلا متأخراً أن من يحلم بحقوق الإنسان عليه ألا يغفل حدود الإنسان.. فالناس لا يحصلون إلا على ما يقدرون عليه وليس على ما يتمنونه. والحقوق الديمقراطية ليست من بين ما يقدر عليه العرب..
صحيح أنهم يشاركون باقي البشر في التطلع إلى الحرية، إلا أن لهم تاريخاً مختلفاً لايزال حياً، تراكم وتحول إلى مؤسسة ثقيلة تفرض قيوداً عجيبة حتى على التمتع بأبسط الحقوق.
ولم تكن نكسة الربيع العربي غريبة على المنطقة.. فتاريخها مليء بالنكسات.. هللت للعثمانيين لتتخلص من المماليك.. فلما جاؤوها جعلوا أهلها رعايا لا مواطنين.. وبعد أن وعدهم الأوروبيون بدولة عربية كبرى إن هم وقفوا إلى جانبهم ضد الدولة العثمانية خانوهم وكسروا معنوياتهم لما وضعوا أراضيهم تحت الانتداب والوصاية.. وبعد أن بدأت المعنويات ترتفع مع نيل الاستقلال عادت بسرعة لتنتكس بسبب الأداء المخيب للدول العربية في كل المجالات.. ولما حاولت الثورات العربية الأخيرة إنعاش الآمال وقف منطق الاستحالة التاريخي المتكرر في وجهها، فأحبطها وأبقى حلقات الجمود والتخلف كما هي لتضيع وتنحسر آمال وأحلام المواطن في دخول المجال العام.. تحطمت آماله في مشاركة شعبية شفافة يختار بها من يريد ويعبر من خلالها عن نفسه كما يحلو له.. تبين له أن عليه أن يرجع من حيث جاء وأن الحدود التي تقيده مازالت أكبر بكثير من الحقوق التي يتمناها.. اكتشف أن التغيير يحتاج إلى جهود تفوق كل مقدراته.. عرف أن عليه أن ينكمش ويعود من حيث أتى ملتزماً حزب الكنبة وجحافل المشاهدين.
وأمام قوى السكون السلطوي التي عرفت كيف تغلق المجال العام من جديد لم يكن أمام المواطن العربي إلا ثلاثة خيارات. الأول أن يرفض ويقاوم محاولاً تحرير المجال العام من قبضة قوى تزيد عنه خبرة وإصراراً وفرصاً.. وقد انتهى هذا الخيار بكل من توهموا تغيير التاريخ إما وهم في السجون أو المنافي.. لا هم نجحوا في فتح المجال العام ولا هم تمكنوا من العودة بأمان للاهتمام بمجالهم الخاص.
أما الخيار الثاني فكان الاستسلام بذلة والعودة إلى سيكولوجية الخوف والخروج بشكل أشبه بالطرد من المجال العام.. وقد أجبر على هذا البديل كثير ممن كانوا يسمون بالناشطين، حيث تم طردهم قسرياً من الحيز العام الذي اقتحموه بفخر في 2011.. عادوا مطأطئ الرأس إلى مجالهم الخاص ليهتموا بلقمة العيش وسداد قسط السيارة وتوفير ثمن الدروس الخصوصية وكل تفاصيل الحياة الشخصية.. تحولوا إلى مهمشين ومنبوذين يشبهون من أقيل بإهانة قبل أن يتقدم باستقالته بكرامة.. وأغلب من أبعدوا بهذه الطريقة كرهوا من بعدها أن يتابعوا أو حتى يسمعوا عما يجري من حولهم.
وتبقى خيار ثالث تمثل في الانسحاب الطوعي والتهميش الذاتي.. وقد اختاره الواعون بالطابع العربي العارفون بتاريخ القهر في المنطقة من مثقفين وعامة أحسوا مبكراً أن نهاية الثورات العربية لن تكون سعيدة.. تفاءلوا لكنهم لم يندفعوا.. فلما تبين لهم فشلها انكمشوا بإراداتهم.. لكنهم مع ذلك لم يعودوا إلى مجالهم الخاص، برغم اهتمامهم به، وإنما اختاروا أن يقللوا صلتهم بالمجال العام فاكتفوا بمتابعته عن بعد.. لم يتهوروا مثل من تبنوا الخيار الأول ولم ينسوا الشأن العام، كما فعل من اختاروا البديل الثاني.
ويبدو في سياق التاريخ الراسخ للقهر العربي وعبقرية السلطوية في إدارة المجال العام أن التهميش الذاتي هو أفضل ما يمكن لعاقل أن يتّبعه لأنه يُبقى الفرد مدركاً بما يدور حوله دون أن يورط نفسه في أمل تغييره.. ولا ينقذ من يهمش نفسه بنفسه نفسه فقط وإنما يساعد في بناء كتلة واعية تفهم وإن كانت لا تتحدى.. وهذا هو الخيار الأمثل حالياً.. ولا أشك أن البعض سيرى في ذلك استسلاماً وضعفاً وتشجيعاً للسلطوية.. وبرغم صحة هذه الانتقادات، إلا أن من يرددها عليه أن يعرف أن السياسة تبقى عملية اختيار للبديل الممكن وليس المستحيل. البديل العملي وليس الطوباوي. والتهميش الذاتي هو هذا البديل لأنه يفهم طبيعة النسيج السلطوي العميق لهذه المنطقة ويدرك أن الإبقاء على الوعي السليم حياً في ظل بيئة دولية وإقليمية ومحلية ليست جاهزة للتغيير يعتبر في حد ذاته مكسباً لا يجب التفريط فيه إلى أن تنضج ربما في مستقبل بعيد ظروف أخرى تفتح آفاقه.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات