كتاب وأراء

مشروع إنقاذ مراهق

المادية المفرطة التي اجتاحت الإنسانية مؤخراً ما هي إلا نتاج بحث الإنسان الدائم عن السعادة التي سُوِقت له في العصر الحديث، وعن السطحية التي مني بها الفكر البشري.
والسعادة أمر نسبي مازال فيه الكثير من القول، والخلاف حتى ذهب الكثير من المفكرين، والفلاسفة في تبني الرأي القائل إن السعادة الحقيقية لا وجود لها في الدنيا من خلال الماديات، وإنما المنشود في الدنيا هو راحة البال، وطمأنينة النفس فقط، حيث إن الظروف، والتبدلات، وظواهر الحياة الطبيعية من موت، ومرض، وكوارث يستحيل معها وجود سعادة دائمة مجردة.
أما السعادة الداخلية، أو المعنوية التي تصنع من ذات الإنسان، وتنبع من أفعاله الطيبة، ومن طاقته في العطاء، وخدمة الآخرين فهي سعادة حقيقية تغمر النفس بشكل قد يكون كاملاً رغم تعكيرات ظروف الحياة، ومنغصاتها.. وتمنح أثراً إيجابياً حقيقياً يمتد إلى حياة من حولنا.
ومن العطاء القريب ما نغفل عنه، وإن كانت أهميته بمقدار إحياء نفس بشرية.
الكثير من المراهقين حولنا نحن الكبار.. أقارب، جيران، طلاب في المدارس إن كنا من العاملين في المؤسسات التعليمية، وما إلى ذلك.. قد يكون البعض منهم في حاجة ماسة إلى الإرشاد، إلى يد مخلصة، حانية تمتد لتنتشلهم من أتون صراعاتهم الداخلية، والخارجية في البحث عن ذاتهم، وعن حقيقة الحياة.. وعن هوية.. وانتماء، في حين تركوا للاشيء، لحياة يسيرون في طرقاتها بلا خبرة، وبلا مرشد يختصر عليهم الوصول إلى الطريق الصحيح، وتجنب الكثير من السقطات، والضياع في متاهات الدنيا، فلماذا لا نقوم بهذا الدور قدر استطاعتنا.
جميلٌ أن يضع أي قادر منا هذا الهدف في حياته، وأن يعوض هذا الإنسان الصغير ما فقده، وعظيم أن تُزرع في هذه النفس الصغيرة بذور الاستقرار، والسكينة التي تجنبه استغلال النفوس المريضة له، والكثير من الآلام التي قد تشوه النفس، والعاطفة البشرية لآخر العمر، وتنغص الحياة بأمور لا داعي لها أصلاً، وكأن منغصات الدنيا من مرض، وموت، وفقر لا تكفي حتى يضاف إليها نفسٌ مضطربة، وروح كسيرة، وعقل لا يكاد يهتدي من كثرة ما مر عليه من تجارب خاطئة، مشوشة.. من منا لا يحتاج إلى الحب.. إلى التقدير.. إلى الاحترام، إلى من يشعر بآلامه، ويمنحه السند، والاحتضان بلا مقابل. التفتوا إلى هؤلاء الصغار واصنعوا منهم مشروعاً للسعادة.. وستجدون مردوده سعادة حقيقية في قلوبكم.. السعادة التي لا يمكن أن تمنحها أغلى المجوهرات، ولا أجمل الماركات، ولا العيش في القصور، ولا السفريات الباهظة.

بقلم : مها محمد

مها محمد