كتاب وأراء

بنات الكاشير

أقبل علينا رمضان شهر الرّحمات والنفحات الإيمانية، وتتأهب الشعوب الإسلامية بمختلف أعراقها لهذا الشهر الجليل، ذي الفضل العظيم. ويتوافق مع هذا الاستعداد للشهر الكريم، ضجّة وزحمة على الأسواق، والمحلات الكبرى.. إلخ، وسيُصادف الرجال كما النساء بصفة متكررة عند المُحاسبة، فتيات أو سيّدات، وسأطلق عليهن «بنات الكاشير».
هؤلاء النساء، يعملنَ بجديّة ويقفن الساعات الطوال، آمَنَّ أن العمل والكسب الحلال حقٌ مشروع. هنَّ بشرٌ وبوقفتهن تلك لم يتجردن من مشاعرهن ولم يتحررن من ضوابط وأخلاقيات مجتمعهن، بغض النظر عن جنسيتهن أو لونهن. فخففوا الوطء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء! وكما قال فولتير: «العمل يبعد عن الإنسان ثلاثة شرور: السأم والرذيلة والحاجة».
وأود أن أنوّه على معلومة يبدو أنها فاتت أو سقطت سهوًا من أدمغة بعض النّاس!، أن هؤلاء النساء بنات عوائل، وحتى لو كانت إحداهن لقيطة، فليس لأي شخص أدنى الحق في مضايقتهن أو قذفهن أو شتمهن، أو إهانتهن أو معاملتهن دون المستوى الإنساني والأخلاقيّ.
وليس أحدهم كفيلًا عليهنّ، وليس لأيّهم الحق، في تصنيف إحداهن كامرأة بدون حياء، وليستْ مجبرة أن تبرر لسعادتكم سبب وجودها في وظيفةٍ كتلك! فما بينك وبينها عملٌ فقط.
أخالُ بعضهم ينادون بحال لسانها: مجبرٌ أخاك لا بطل. فمن يعلم بظروفها، أو سوء حالها وحاجتها، أيتيمةٌ هي، أم معدومة؟! أفقيرة هي أم محتاجة؟! أمطلقةٌ هي أم أرملة؟!
وماذا لو علمتَ أنّها تُعيل أسرة، سُلّمت بؤسًا، لتكفي حاجتها وأبناءها، ماذا لو كانت لا حيلة لها ولا ملجأ؟! وماذا لو كان تعثرها الدراسي بسبب ضعف مداركها قادها إلى هناك، حيث أنت تقف بكبرياء كصاحب نفوذ ومشترٍ؟! لماذا تُسارع في رسم صورة شيطانية غير أخلاقية عنها، وليس أصعب على الفتاة من أن يتعدى أحدهم على عرضها وهي شريفة.
ولو تساءل المُسيء ولو لبعض مرةّ ماذا سأخسرُ لو عاملتها برفق وأدب؟! ماذا لو جعلت من تعاملي نموذجًا أخلاقيًّا؛ تنوي به تخفيف ما لا تعلمه من أحزانها ومسؤولياتها. بل ما يُضيرك لو عددتها أختًا تخاف عليها وتذب عنها ما يسيئها؟!
وليس عليك أن تتنبأ بقصصٍ حزينة، ومبكية، كي ترضي غرورك، وتسمح لها بالعمل حيث اقتنعت أنت- أيّها الحصيف- أنه ليس مكانًا شريفًا للعمل!
ثم أنتِ أيتها المرأة، السيدة الشريفة الوقورة والمقتدرة والعفيفة، لماذا نِصفُ النظرة هذه؟ كم أعمى نظرك الاستصغار؟! وقبل أن تتحدثي مع بنات الكاشير بفوقيّة، تنبّهي، أن يغويكِ الشيطان، فتُدنسي لسانك بالغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء، وبادري بتأديب أفكارك إن طغى وسواسكِ بأن تسيئي إليها بينكِ وبين نفسكِ أن تسأليها بلطف، عن حالها؟! وكيف هي والعمل في ظل الزحمة التي لا تتوقف عند رأسها؟! ستجيبكِ بوقار وبابتسامة دافئة تخبركِ أنها ممتنة جدًّا لاهتمامكِ.
بل إنه من المدعاة للرأفة بحالها، لمقاساتها الأمرين، صعوبة العمل، ومشقته، بجانب مقابلة المتعنتين من أبناء شر البرية. فالأمر تعدى عند بعضهم من مرحلة التعدي اللفظي إلى التحرش. ومع هذا عليها أن تبقى صامدة أمام الجيش البشري. وأن تتعامل بصبر حتى لا تُصبح مطرودة من رحمة المسؤول، في لحظة حاولت فيها التصدي لمن يخطئون عليها.
وبعد أن ترجع إلى بيتها، هنالك مسؤوليات جمّة بانتظارها، فلا تُقابِل في أغلب الأحيان من يخفف عنها وقفتها المريرة، ومن تعمل في كاشير لن توفّر غالبًا عاملةً تعينها؛ لترفع عنها أعباء المنزل، فبطبيعة الحال الراتب ضعيفٌ، لا يسد احتياجات أسرة تتكون من شخصين. وكما يقول المثل: «صاحب الحاجة أعمى».

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي