كتاب وأراء

الاحـتـقــار في الحياة العربية الحديثة

ليس من سلوك أبغض من الاحتقار، فمن المشين أن نعتبر غيرنا أقل منا فنستعلي عليهم وننتقص من قدرهم ونرميهم بأوصاف دنيئة ونصورهم بطرق مذمومة، لكن برغم تلك البشاعة نجد الاحتقار ينتشر وأن من يمارسه لا يجد خجلاً فيما يفعله، ففي كل مكان أفراد وجماعات يحتقرون غيرهم سواء داخل بلدانهم أو في بلدان أخرى، ومع أن احتقار الآخر لا يصل بالضرورة إلى حد العنصرية إلا أنه يبقى دائماً علامة فارقة في صناعة الكراهية وتأجيج الغل والأحقاد.
والاحتقار نوعان: احتقار للذات يصل أحياناً إلى كراهيتها، واحتقار للآخرين قد يفضي أحياناً إلى الإجرام في حقهم.
أما احتقار الذات فيكشف عن نقص الثقة في النفس ويظهر تحرج المرء من ثقافته أو طبقته أو جذره الاجتماعي أو لغته أو تاريخه، وقد ظهر مصابون كثيرون باحتقار الذات في العالم العربي يعانون من عقد نقص أمام الغير ولا يعرفون كيف يتخلصون من الجرح النرجسي الساكن فيهم، فبينما تُشعرهم حكايات الماضي العربي التليد بزهو يصل إلى حد النرجسية تأتي الحقائق العربية المريرة لتصدمهم وتفسد نرجسيتهم وتطعن كرامتهم، وعادةً ما ينقلب هؤلاء من الزهو المبالغ فيه بالذات إلى السخرية الجارحة لها، يتحولون من التيه بالنفس إلى الهجوم المبالغ عليها فيعيبون سجلاتهم القومية والوطنية والحضارية بل ويسفهونها. وقد وصل احتقار الذات بكل أسف في المنطقة العربية إلى مستوى غير مسبوق بسبب كثرة الاحباطات.
وليس كل محبط عربي إلا خميرة جاهزة لميلاد شخصية تحتقر ذاتها وتتمسح بأي بديل قد يعوضها عن بعض ما تشعر به من نقص.
أما احتقار الآخرين فللعرب فيه باع وتاريخ، من احتقارهم للعجم والسود والمرأة إلى احتقارهم لبعض المهن والطوائف. وليس العرب وحدهم في ذلك، فقد أظهر غيرهم احتقاراً للآخرين بصور شنيعة ربما لم يأت بها العرب قط، بل وقد عانى العرب أنفسهم وما زالوا يعانون من صور متنوعة من الاحتقار سواء لثقافتهم أو هويتهم أو بلدانهم.
ولم يزداد احتقار الغير للعرب إلا بعد أن تمادى العرب في احتقار أنفسهم واحتقار بعضهم البعض. فمن يحتقرون العرب اليوم ويسخرون من عاداتهم وطباعهم وقضاياهم وطريقة معيشتهم وسياساتهم ومنظوماتهم التعليمية والاقتصادية والإدارية لا بد أنهم وجدوا ثغرات ينفذون منها.
وأسوأ ثغرة فتحها العرب على أنفسهم ظهرت عندما راحوا يحتقرون بعضهم البعض أمام الملأ وعندما بدأوا يلجؤون إلى مراكز صنع القرار الكبرى حول العالم ليتكلموا معها بإسفاف عن بعضهم بما يكشف مدى احتقارهم لبعضهم.
ولأكثر من نصف قرن تراكمت حالات عربية عديدة من الاحتقار والتسفيه والسخرية في حق دول وقيادات وشعوب عربية. حالات مؤسفة انخرطت فيها فضائيات وصحف وإذاعات عربية عديدة في حملات تحقير عنيفة، كما جرت ممارسة الاحتقار بأسلحة أجنبية عبر مؤتمرات وحملات علاقات عامة أغدق العرب من خلالها المال على شركات ومراكز بحوث أجنبية مقابل أن تتحول إلى ساحات عالمية يحتقر فيها بعض العرب عرباً آخرين غيرهم.
وقد شجعت مثل تلك السلوكيات الآخرين كثيراً على عدم احترام العرب. وهم، أي العرب، يعتبرون لذلك مسؤولون عن ما يتعرضون له من احتقار. فهم من فتكوا ببعضهم البعض بالكلمات وهم من قتل بعضهم البعض في الحروب، وهم من ذهبوا إلى الخارج يستعينون به ضد بعضهم. ومن لا يحترم نفسه لا يمكن أن يطلب من الآخرين أن يحترموه.
ولهذا فإن احتقار العرب سواء لأنفسهم أو لبعضهم البعض لم يكن ليوفر لهم ما يتمنونه من احترام في الساحة الدولية.
ولا بد أن توضع ظاهرة الاحتقار هذه ضمن الإطار العربي العام الذي يتسم بقهر الإنسان واحتقاره. فالفرد المبعد، بل والملغي، من المجال العام والإنسان المهمش المحروم من نصيبه في الثروة العامة والمواطن القابل في أي وقت للحبس والتنكيل كل هذا ليس في الحقيقة إلا عجينة مجهزة للاحتقار. فمن اعتاد على احتقار مواطنيه يسهل عليه أن يحتقر مؤسسات بلده وكل من يختلف معه في الرأي ثم يتوسع بعد ذلك في الاحتقار ليشمل دول بأكملها في جيرته الإقليمية.
وقد وصلت المرارة بالفعل إلى الحلقوم عندما وصل الحال بالعرب إلى تأسيس نظام إقليمي كامل قائم على إشاعة ثقافة الاحتقار. احتقار الفرد والمرأة والمواطن والأقليات والطوائف والمؤسسات بل واحتقار الدول لبعضها البعض. وفي ظل نظام إقليمي لا يطيق أهله بعضهم لم يكن غريباً ألا يطيقه بالمثل الغرباء عنه. ولولا مصالح هؤلاء في منطقتنا لكانوا قد عبروا عن احتقارهم للعرب بصور أشد من كل ما يفعلونه حالياً.
يبقى أن العرب هم من أعطوهم الفرصة عندما احتقروا بعضهم فشجعوا الآخرين على احتقارهم.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات