كتاب وأراء

فـرنســا: الحكومة والنقابات.. من يتراجع؟

مع استمرار التحركات العمالية والشعبية في عموم المدن الفرنسية ضد قرار الحكومة تعديل قانون العمل، وانتقال حركة الاحتجاجات إلى مستوى جديد من التصعيد تمثل في المواجهة بين المعتصمين والمتظاهرين ورجال الشرطة وبالتهديد بإحداث شلل كلي في قطاعات النقل والطيران ومصافي النفط، دخلت فرنسا مرحلة ساخنة من هذا الصراع الاجتماعي بين النقابات الممثلة للعمال وعموم الشعب الفرنسي، والحكومة الفرنسية الممثلة للشركات الرأسمالية تبدو معها الأمور تتجه إلى طريق مسدود، في ظل إصرار الحكومة على عدم التراجع عن التمسك بفرض تعديل قانون للعمل.
وبالمقابل فان الحركة النقابية والشعبية ترفض الرضوخ لهذا القرار، وقررت مواجهته بكل الوسائل المتاحة لديها.
وبهذا المعنى فان المعركة بين الحكومة والنقابات دخلت في ما يشبه اختبار القوة حسب قول صحيفة لوفيغار الفرنسية، ففيما أقدم العمال المضربون على إغلاق مستودعات ومصافي النفط في اطار زيادة منسوب الضغط على الحكومة، تراهن الأخيرة بدورها على إضعاف عزيمة الاتحاد العام للشغل ولي ذراعه، ونفاذ أو تراجع زخم الاحتجاجات وانحسار مشاركة الناس فيها.
غير أن استطلاعات الرأي التي أجريت أخيراً أظهرت بان 69 بالمائة من الجمهور الفرنسي يقف ضد تعديل قانون العمل ويؤيد التحركات الاحتجاجية لمنع إقراره، وبين هؤلاء 46 بالمائة من المناصرين للحزب الاشتراكي، ومع ذلك فان الحكومة باتت تضبط إيقاع مواقفها، تشدداً أو مرونة، بالقياس للجم المشاركة الشعبية في التظاهرات والإضرابات، فإذا كانت المشاركة في ارتفاع مستمر حسب صحيفة لوبا ريزيان الفرنسية فان إمكانية تراجع الحكومة، بالرغم من التصريحات المتشددة لمسؤوليها إمكانية واردة.
ولهذا فان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس وزرائه مانويل فالس باتا كمن دخلا في لعبة مقامرة على شعبيتهما لنيل رضا الشركات الرأسمالية، فعلى الرغم من النتائج السلبية التي بدأت تظهر على هذا الصعيد يصران على الإيغال في سياساتهما المتعارضة تعارضاً صارخاً مع مصالح أغلبية الشعب الفرنسي، ومن المفارقة في هذا السياق أن الصراع الذي يبدو في الظاهر بين حكومة الاشتراكيين وبين النقابات لكن هو أيضاً صراع بين مناصري الشركات من الحزب الاشتراكي، والمؤيدين للنقابات من هذا الحزب حيث تكشف الصراع عن أن الحزب الاشتراكي دخل في حالة انفصام بين بعض قياداته وبين بيئته اليسارية المعبأة على أساس مفاهيم الاشتراكية والانحياز إلى جانب حقوق العمال ومطالب النقابات، وهذا الانفصام أدى إلى حالة من التفكك والانقسام داخل الحزب من القمة إلى القاعدة، وهو الأمر الذي يصب في صالح تعزيز موقف النقابات وإضعاف موقف الحكومة التي وضعتها المعارضة وقسم من نواب اليسار في موقف صعب دفعها للجوء إلى اعتماد قانون العمل المعدل من دون العودة إلى البرلمان للتصويت عليه ما أشر إلى أن الحكومة أقدمت على تهريب القانون لإدراكها بأنه سيسقط في البرلمان في حال عرضه عليه.
والسؤال الأساسي والملح الذي بات يطرح هو هل تستطيع النقابات العمالية، وفي المقدمة منها الكونفذرالية العامة للعمل ( سي جي تي) شل البلاد وإجبار الحكومة على التراجع عن هذا القانون غير الشعبي؟.
المراقبون والمحللون يرون أن هناك معركة قاسية تدور في ساحات المدن الفرنسية وتعكس مدى تفاقم حدة الصراع الطبقي الذي بات سيد الموقف بعد أن انتهى زمن البحبوحة الرأسمالية التي كانت تجعل أرباب العمل يقبلون بإعطاء العمال حقوقهم المختلفة التي ناضلوا لتحقيقها عبر عقود طويلة.
ومثل هذا الصراع الساخن في الشوارع الفرنسية وفي مواقع الانتاج لابد وانه سيترك انعكاسات مباشرة على الاصطفاف السياسي في البلاد وداخل كل حزب من الأحزاب بعد أن أصبح من المستحيل أن يصمد التعايش أو الوفاق الطبقي الذي كان سائداَ في مرحلة ازدهار وانتعاش الرأسمالية الفرنسية وغيرها من الرأسمالية الغربية، وهذه الاصطفافات سوف تؤدي بالضرورة إلى رسم خريطة سياسية جديدة سيكون لها أثرها المباشر في الانتخابات المقبلة لا سيما وأن التصويت الشعبي سوف يرتكز هذه المرة إلى الموقف من القضايا الاجتماعية التي باتت تحتل الأولوية في اهتمامات الناس على ما عداها من قضايا.

حسين عطوي