كتاب وأراء

حقوق ميراندا

«يحق لك البقاء صامتاً وأي كلمة تقولها ستؤخذ كدليل في المحكمة، كما يحق لك توكيل محامٍ وإن لم تستطع سيتم توفير محامٍ لك.. هل تفهم هذه الحقوق التي تلوتها عليك للتو»..
هذه الفقرة نسمعها كثيراً في الأفلام الأميركية حين تقبض الشرطة على المتـهم.. وتأتي ضمن حقوق المواطن التي تتضمن عدم الضغط عليه للاعتراف بأي تهمة أو التحقيق معه دون محامٍ.. ورغم أنها مستمدة من الدستور الأميركي لم تظهر فعلياً إلا عام 1966 بعد قضية جنائية بدت حينها غير استثنائية.
ففي منتصف ذلك العام ألقت شرطة فينيكس القبض على رجل يدعى إرنستو ميراندا بتهمة اختطاف واغتصاب فـتاة في الثامنة عشرة.. ورغـم أن الشرطة لا تملك أدلة قاطعة ضده (بما في ذلك الفتاة التي لم تتعرف عليه) إلا أنها ضغطت عليه ليتعرف بالجريمة دون حضور محامٍ..
ومن وجهة نظر قانونية يعد هذا انتهاكاً لحقوق ميراندا كونه بقي وحيداً خلال التحقيق ولا يعلم بحقه في عدم الحديث إلا بوجود محامٍ-وهو تصرف لا يعطي للمحققين مصداقية، ويمنح المتهم فرصة تكذيبهم في المحكمة..
وحين تم تحويله فعلاً إلى المحكمة قدمت الشرطة ورقة الاعتراف التي وقعها كدليل قبلته المحكمة وحكمت عليه بالسجن من خلاله.. غير أن محاميه استأنف الحكم مدعياً أن الشرطة أخفت على المتهم حقوقه كمواطن وحققت معه دون محامٍ- وبالتالي ليس لورقة الاعتراف أي قيمة قانونية..
محكمة الاستئناف في أريزونا لم تـؤيد رأي المحامي، فـرفع القضية إلى المحكمة العـليا في واشنطن التي ساندت موقفه واعتبرت ما حدث مخالفاً لحقوق المواطن الواردة في البند الخامس من الدستور (الذي يتضمن فقرة تقول: لا يجوز اعتقال أي شخص بغرض الاستجواب فقط دون وجود دليل مقنع ضده، كما لا يجب أن يجبر أو يضطر لأن يكون شاهداً ضد نفسه في أي جريمة...الخ)..
وبناء عليه لم يتم فقط إطلاق سراح ميراندا، بـل وإجبار ولاية أريزونا على تعويضه (لاعتقاله دون دليل، والتحقيق معه دون وكيل).. ورغم أن المحكمة العليا لم تقدم نصاً صريحاً يتم تلاوته على المعتقلين (كالذي نسمعه في التليفزيون) إلا أنها أكدت في قرارها على حق المتهم في الصمت، وتوكيل محامٍ أثناء التحقيق معه..
وسرعان ما أصبح تلاوة هذه الحقوق شيئاً إلزامياً في جميع الولايات يتسبب تجاهلها أو نسيانها في نسف القضية.. واليـوم تعرف هذه الحقوق باسم حقوق ميراندا MIRANDA RIGHTS رغـم أن أحداً لا يعرف إن كان هـو الذي اغتصب الفتاة أم لا (خصوصاً أن نفس المادة تشير أيضاً إلى حق المواطن في عدم المحاكمة مـرتين على نفس الجريمة)..
ـ نـأتـي الآن إلى السعودية؛ وزارة الداخلية لدينا وضعت قبل سنوات لائحة بحقوق المتهم أثناء القبض عليه والتحقيق معه ومحاكمته.. خذ كمثال المادة رقم 64 في نظام الإجراءات الجزائية التي تقول: «للمتهم حق الاستعانة بوكيل أو محام لحضور التحقيق» والمادة رقم 70 «وليس للمحقق أن يعزل المتهم عن وكيله أو محاميه أثـناء التحقيق».. والمادة التي تؤكد عدم امتلاك المحقق صلاحية توقيف المتهم لأكثر من خمسة أيــام... والكثير من النصوص والمبادئ التي تضمن حقوق المتهم أثناء التحقيق والمحاكمة..
.. غـير أن المشكلة-من جهة- تكمن في تهاون البعض في تطبيق هذه المواد، ومن جهه أخرى جهل المتهمين بوجودها أصلاً.. وهـذا الأمـر يحـتم على إعلامنا نـشر هذه الحقوق وتثـقيف الناس بهـا-والأهم تلاوتها من قبل الشرطة على المتهمين أثناء القبض عليهم، والتأكد من فهمهم لها قـبل التحقيق معهم.
.. أليس غريباً أن نعرف حقوق المتهمين من خلال الأفلام الأميركية، ونجهل حقـوقاً في بلادنا أقـرتها وزارة الداخلية؟

فهد عامر الاحمدي