كتاب وأراء

درس روسي خارج المستطيل

- 1 -
لم تعدْ كرة القدم لعبة عالمية، في مستطيل أخضر، تبدأ بصافرة الحكم وتنتهي بخروج اللاعبين ومُغادرة الجمهور مُدرَّجات المباراة. ما يحدث خارج الملعب من إعلام وسياسة واقتصاد، قد لا يقلُّ أهمية عن ما تجري به الكرة داخل المستطيل. قنوات (البي إن) وفَّرت متعة بصرية وتحليلية وتعليقية، لا تقلُّ روعةً عن ما جادت به مُجريات المباريات من إبداعات اللاعبين وخطط المدربين.
لم تُقلِّلْ من تلك الروعة الجمالية محاولاتُ الكيد والقرصنة وسرقة الحُقوق.
انتصرت (البي إن)، بتميُّزها الجماليِّ وتفوقها الأخلاقي وجودة خدمتها، ونال مكايدوها هزيمةً أخلاقيةً دامغةً، ستتبعها خسائر قانونية قادمة، ووصمة عار تاريخية، لن تُمْحَى من على جبين القراصنة.
- 2 -
الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا قال عن الرياضة: (إنها أكثر وسائل الاتصال فاعليةً في العصر الحديث، حيث تتجاوز وسائل الاتصال الأخرى، فهي تصلُ إلى مليارات الأفراد في جميع أنحاء العالم مباشرة، وبذلك ليس هناك شك في أن الرياضة طريقة صالحة لبناء الصداقات بين الأُمم).
25 رئيساً وزعيماً سيكونون اليوم ضيوفاً على الرئيس الروسي بوتين بموسكو في ختام مونديال كأس العالم.
بهذا الرقم الكبير من الضيوف والرؤساء والمقام الرفيع، ستكون روسيا قد حقَّقت انتصاراً سياسيَّاً ودبلوماسيَّاً باهراً، يُعوِّضها مرارة خروجها من دور الثمانية بأقدام الكُرْوَات، مُفاجأة المونديال.
- 3 -
روسيا ألحقت هزيمةً صافعةً بالذين أرادوا عُزلتها وإحراجها أمام العالم بإظهارها دولةً منبوذةً ومعزولةً في ركنٍ قصيّ.
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أعلنت قبل هزيمة فريقها من كرواتيا، أن أيَّ عضوٍ من العائلة الملكية، لن تطأ قدماه روسيا، لمُساندة المنتخب الإنجليزي لكرة القدم.
كانت تظنُّ أنها بذلك ستُعاقب الرُّوس ردَّاً على تعرُّض جاسوس روسي سابق وابنته للتسمم بغاز للأعصاب، على أرض المملكة المتحدة، التي تتَّهم روسيا بالوقوف وراءه.
اختارت بريطانيا هذا العقاب المُخفَّف، ولم تمْضِ بعيداً بإعلان مقاطعة المونديال، كما فعلت دولٌ أُخرى في منافسات قارية سابقة.
- 4 -
موقع قناة «بي. أف. أم. تي. في» الفرنسية تطرَّق إلى تاريخ أحداث مُشابِهة، تعرَّضت لها مُنافساتٌ سابقةٌ لكأس العالم، وهي تتراوح بين المقاطعة أو إقصاء فريق لأسباب سياسية. أبرز تلك الأحداث مثلما ورَدَتْ في الموقع، ارتبطت بكبرى التغيُّرات الجيو- سياسية العالمية خلال العقود الثمانية الماضية.
في عام 1938 قاطعت النمسا بطولة كأس العالم المُقامة بفرنسا، إذ اجتاحت ألمانيا النازية النمسا وضمَّتها لأرضها.
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يُسمح لألمانيا واليابان بالمشاركة في أدوار مقابلات الترشُّح إلى المنافسات التي احتضنتها البرازيل.
وحينما أمسَكَ الجنرال فيديلا بالحكم في بيونس أيرس، وارتكب النظام تجاوزاتٍ عدَّة من أجل تشديد قبضته على السلطة، تعالت في أوروبا أصوات تدعو إلى مقاطعة منافسات كأس العالم في الأرجنتين، وعدم إضفاء الشرعية أو إعطاء ضمان لنظام جورج فيديلا.
ورغم ارتفاع تلك الأصوات، وعلوِّها استطاعت الأرجنتين، أن تنظم دورة متميزة ودون مقاطعة من أي دولة، انحصرت المقاطعة فقط في اللاعب الهولندي يوهان كرويف.
- 5 -
الغريبُ في مونديال روسيا الحالي، أن الفريق الإنجليزي قدَّم مستوى فنياً متجاوزاً، لِمَا كان عليه الوضع في المنافسات السابقة التي دَرَجَ على مغادرتها في وقت مبكر.
لم تكن تيريزا أو أحد أبناء الأسرة المالكة، في حاجة لزيارة روسيا لحضور النهائي لا لعدم توفر مقاعد في المقصورة الرئيسية بالاستاد، ولكن لمغادرة إنجلترا المنافسة.
سيخسر الرهانَ كُلُّ من يريد أن يجعل من مثل هذه المُنافسات مساحةً لتصفية الحسابات السياسية.
-أخيراً-
كرة القدم منشط للتواصل والسلام، وليست ساحة حرب للمؤامرات والمكائد والعقوبات.
درس روسيا في هزيمة سيناريو العزلة لن ينتهي اليوم، سيمضي إلى أبعد من ذلك في الزمان والمكان.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال