كتاب وأراء

من الذي دفع للزمّار؟!

(1)

بدأ الأمر بهذا الشكل: كانت الكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونر سوندرز تجمع المادة الوثائقية لفيلمها التسجيلي عن الأسباب الكامنة وراء نجاح مدرسة نيويورك في الفن، وكانت بذرة البحث: مقالة تزعم أن السبب وكالة المخابرات المركزية الأميركية!.. كيف؟..ما علاقة جهاز الاستخبارات برواج مدرسة فنية وسقوط المدارس الأخرى؟!.. أسئلة جعلت سوندرز تتجاوز ببحثها ما يحتاجه فيلمها التسجيلي من مادة، ليتواصل البحث والتنقيب في مئات وآلاف المواد الأرشيفية، لتقدم بعد ثلاث سنوات من البحث والحوارات كتابها المثير للجدل «من الذي دفع للزمّار» لتكتشف - وتكشف للعالم - التالي:

- في الوقت الذي كان يعيش فيه العالم، ما اتفق على تسميته بـ: الحرب الباردة، كانت الـ CIA تشن حربها الساخنة ثقافياً وفنياً وعلى كافة الجبهات.

- كانت تسيطر على «عقل العالم» وذائقته ومزاجه، وتحتله عبر ترسانة ضخمة من الأسلحة الفنية والثقافية والإعلامية: مجلات، صحف، أفلام، كتب، معارض، حفلات، جوائز، منح علمية، مؤتمرات وندوات.

- كانت، وعبر منظمات تحمل أسماء تتغنى بالدفاع عن حرية التعبير، تتلف الكتب وتهمّش الكتاب وتحارب الأعمال الإبداعية التي لا تتفق مع الحلم الأميركي وعلى النقيض: تروّج، وتلمع الأسماء، وتمنحها الجوائز، وتطبع ملايين النسخ من الأعمال التي تبشّر بالسلام الأميركي والأحلام التي لا يمكن أن تتحقق إلا حسب رؤية البيت الأبيض!

- كانت المخابرات الأميركية، عبر منظمات مدنية ومؤسسات تابعة لها، تقف وراء تشكيل ذائقة العالم، وتحديد رأيه العام تجاه أي حدث!

- كانت تصنع «الشرير» وتقوم بترويجه عبر كل الوسائل ليصبح بعد فترة هو نموذج الشر المطلق الذي يجب على العالم أن يكرهه ويخاف منه.. ويحاربه!

- كانت... وما زالت!

(2)

في كل بلد: كان لأميركا «زمّار» لا يعزف من الألحان إلا ما يناسب السُّلم الموسيقي الأميركي.

الذين يعزفون الألحان المختلفة.. هؤلاء يُتهمون بالنشاز، وتحارب أعمالهم، وتقفل أبواب المسارح في وجوههم، وإن استدعى الأمر: تُكسر المزامير على رؤوسهم!

(3)

العرب يقولون زامر الحي لا يُطرب.. ولكن من السهل شراءه!

في المجتمعات التي لا يوجد فيها «زامر» موهوب، بإمكانك إحضار زامر مغمور، وتلميعه، ودعوته لمؤتمر كبير للزمّارين، وتسليط الأضواء عليه، ومنحه جائزة.. وبعد فترة ستجده يعزف من الألحان ما تشتهي أذنك، وتجد الجمهور يصفق له ويتسابقون للتصوير معه!

(4)

كتبت سابقاً أنه في مراهقتنا العمرية – وإن شئتم: في مراهقتنا الفكرية أيضاً! – كانت هوليوود أحد أكبر مصادرنا الترفيهية.. وليت الأمر توقف عند الترفيه فقط.. بل تجاوزه حتى أصبحت هوليوود للكثير من مراهقي العالم مصدراً مهماً من مصادر التثقيف والوعي والمعرفة!

كان الإعلام الأميركي – ورأس حربته هوليوود – يسابقون ساسة البيت الأبيض في صنع الأعداء لأميركا، وإقناع الرأي العام بهؤلاء الخصوم.

وكانت هوليوود تروّج للعالم النموذج الأميركي «الخيّر»:

ـ فـ «السوبرمان» و«الوطواط» و«الرجل العنكبوت» هم رجال أميركيون.

ـ والجندي الذي يبيد كتيبة بأكملها، ولا يحدث له سوى خدش صغير على خده، هو جندي أميركي!

ـ والرجل الذي يُبطل مفعول القنبلة النووية «في آخر ثانية!» وينقذ العالم من الدمار، هو جاسوس أميركي.. أو حليف له: مثل العميل السري البريطاني (007) جيمس بوند!..

هذا لا يُلغي أن هوليوود كانت تقدم الترفيه بشكل مبهر وممتع، وأنها قدمت الكثير من الأفلام الإنسانية الرائعة.. ولكنها كانت – أيضاً– مصدراً لتغيير الحقائق وتشويهها، فعندما كانت تُقدم «الأميركي» على أنه النموذج الأفضل للإنسان الخيّر الذي يُبيد مدينة بأكملها، وفي المشهد التالي: يبكي بشجن عند قبر صديقه!.. لا بد لهذا النموذج من نموذج مقابل – نقيض – هو نموذج «الشر».. وطوال سنوات طفولتنا ومراهقتنا، كان هذا النموذج موجوداً في «روسيا»!

كانت روسيا (التي تروجها هوليوود) باردة.. ليس في طقسها فقط.. بل حتى في علاقاتها الإنسانية.. كانت مركز الشر في العالم ومملكته المتوجة.

كانت ملامح الروسي (الهوليودي) مفزعة.. ولا تدري متى يستل سكينه ليطعنك!

كان هذا الروسي هو نفس الشخص الذي يُجهز القنبلة ليبيد العالم – لولا عناية الله – ثم متابعة المخابرات الأميركية ورجالها الأفذاذ الذين ينقذون العالم – وكالعادة – في آخر لحظة!

انتهت الحرب الباردة.. وانشغلت هوليوود بإنقاذ العالم من الكوارث الكونية!

والآن هي مشغولة أكثر بصنع «شرير» آخر..

شرير له ملامح «شرق أوسطية».. له نفس ملامحك بالضبط!

(5)

حفلة العزف على المزامير ما تزال مستمرة!



بقلم : محمد الرطيان

محمد الرطيان