كتاب وأراء

دليل للطيبين



انتبه.. إن إحدى علامات الرضا وأحد مفاتيح السعادة يكمن في استيعابك لأن حظك من البر، ونصيبك من العطف وأقدارك من العطاء، الرفق أو حتى رصيدك من المال قد يأتيك من غريب أو بعيد، فلا تصر بأنه كان الأحرى أن تناله من أبويك، ابنك أو مصارف بعينها، لأن الله هو المتصرف في أمور عباده، فثقوا في هدايا الله، فهو الهادي الذي يحسن الإهداء.
أما لو تمسكت بالتحسر على حالك كون البر لم تنله من أبنائك، وأن المال لم تتحصل عليه من إرث جدودك وأن السند لم يكن من ظهيرة أبيك، وأن العضد لم يمده لك ساعد إخوتك، والعزوة لم ترها من عشيرة أهلك والعلم لم تتحصل عليه من سبورة معلمك، والنجدة لم تأتك من بيت جارك، والتقدير لم تلمسه من لسان زوجك والأمان لم يمنحه لك وطنك، والعزومة لم ترد إليك ممن دعوتهم، والهدية لم تسدد إليك ممن أهديتهم، فاعلم أنك مصمم على أن تكون كبقعة زيت عنيدة لن يفلح الرافدون في تنظيفها ولن تجدي معها سائر المنظفات القوية، كون الوسخ عالقاً بقلبك وعقلك معاً. على هذا، إلا أنني أفهم سعي الإنسان في بحثه عن الطيبين بدروب الحياة ليحيط نفسه بالثقاة، فأوقدوا قناديل البحث، أشعلوا السراج، اضووا الشموع، دلونا عليهم، إنهم بالجوار، أكاد أراهم، أعلم أنهم على قيد البقاء، بعضهم باقٍ على قيد الحياة، والأخر باقٍ على قيد الذاكرة، فقط نحتاج لمن يهدينا سبلهم أو يهدينا ذكراهم. لذا، فنحن بحاجة لدليل للطيبين.
على بالي اقتراح بإنشاء صفحة «دليل الطيبين» على وسائل التواصل، فأغلبنا مر عليه في درب العمر هذا الإنسان شديد الطيبة، المفرط في التسامح، والدائم الدهشة كالأطفال.
أنا لا أتحدث عن طيبة الآباء، فمعظم البشر يطيبون لأبنائهم فيما يغلظون على سواهم. لكن حديثي معني بأغراب من خارج أرحامنا ولا نمت لعصبهم من قريب ولا بعيد. فقد استفقت في الأربعين لأجدني مبرمجة على تخيلهم في هيئة عجوز شبيه «بحسين رياض» وتعلو وجهه ابتسامة ليست بمُغرضٍة، يوزعها كحلوى العيد على الجميع. لكن المفارقة أنني قابلت منهم «مستر نيسون» وزميله «مستر جوردن» و«مس باتي» وكيلة المدرسة التي يدرس بها صغاري وثلاثاتهم آية من آيات الطيبة على أنهم لا يزالون يتمتعون بالشباب ويرفلون في وسامة تحاذي طيبة سجاياهم.
تروي لي ابنتي أن زميلاً لها «ضرط» في الفصل، فمكث مستر جوردن يروي للطلاب ذكرياته في الطفولة وانه لطالما صدرت عنه أصواتًا محرجة كتلك. حكى رواياته مازحاً وعمد لإحراج نفسه ليرفع الحرج عن طالب لديه، بتمرير الموقف بشكل يخفف ألم الإحراج عن الصغير. نموذج آخر للطيبة كشفت عنه صديقة طفولة روت بأسى: لو تعلمين كيف بكيت يوم طُلِّق أبواي وكيف وددت أن ليتني كنت نسياً منسياً، لتمضي الأيام فاكتشف أن الله أهداني «زوج أم» ملائكياً عوضاً عن أب قاسٍ، هجرنا وتزوج من فنانة. ورغم ثرائه، فإنه لاهٍ عن احتياجاتنا، فيما يمنحني زوج أمي شهرياً 600 جنيه (بالتسعينات) ويستحلفني ألا أخطر أمي كي لا توبخه: «ستفسدهم بدلعك» هذا بخلاف ترحيبه بضيوفي ومساعدتي في المذاكرة وسعادته بوجودي وإخوتي في حياته.
إجمالاً يتسم الطيبون بالكرم والتسامح والبساطة المفرطة، كما انهم يصلون لقمة السعادة بجلسة في الشرفة مع فطيرة جبن والقليل من بذور اللب. الطيبون كغرير في سذاجته، كزنبقة يشي بها عطرها وعلى هذا فإنها حين لا تجد من يقطفها، تزداد تفتحاً لإغواء العابرين بانتزاعها من جذورها. الطيبون سيماهم على وجوههم من أثر البسمات. الطيبون كرماء، لكن لا يحبون أن يذكر جودهم لا خشية الرياء، لكن مخافة التوبيخ، كما يعرف عنهم التساهل مع أهل بيتهم ومع الأغراب، كما أن أثرياءهم لا ينفرون من أقاربهم محدودي الدخل أو المكانة. أدام الله الطيبين وادأم شعلة قناديل خيريتهم في دنيانا.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي