كتاب وأراء

صفقة القرن أو الصفقة المحرجة

يستبسل إعلام العار العربي وأبواقه الكثيرة في محاولة دفن ملف "صفقة القرن" إعلاميا حتى أن الانكار بلغ بهم درجة نفي الصفقة جملة وتفصيلا. لكن العودة إلى الوقائع الأخيرة التي شهدتها المنطقة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الصفقة تجري على قدم وساق وأنها قد بلغت مراحلها الأخيرة مع وصول النظام الجديد في السعودية إلى دفة الحكم. صفقة القرن تتضمن التعجيل بتسليم النظام الصهيوني الأراضي العربية وعلى رأسها القدس التي أعلن النظام الأميركي مؤخرا نقل سفارته إليها في مؤشر فاضح على تقدم الصفقة إلى مراحلها الأخيرة ودخولها حيز التطبيق. إن تثبيت النظام الانقلابي في مصر ومحاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية والسعي إلى قلب نظام الحكم في تركيا وكذلك محاصرة دولة قطر ومحاولة زعزعة نظام الحكم فيها إنما تدخل كلها في هذا الإطار. تتداخل في صفقة القرن ملفات كثيرة لأن الصفقة تتويج لجهد استعماري جهيد يمتد على أكثر من قرن من الزمان منذ معاهدة سايكس بيكو التي قسمت أوصال الجسد الواحد ومهدت لنشأة الكيان الصهيوني في قلب الأرض العربية. بناء عليه وبفهم هذا السياق العام الذي تتنزل فيها الصفقة ومخرجاتها يمكن أن نفهم لماذا يستبسل إعلام العار العربي والأنظمة التي تقف وراءه في التقليل من خطورة الملف أو في إنكاره. صفقة القرن تدشين لمرحلة جديدة من عمر الصراع العربي الصهيوني في فلسطين وصفحة جديدة من صفحات كتاب الخيانة والتآمر العربي التي تكتبها أنظمة سايكس بيكو بدماء الشهداء. اليوم واليوم فقط وبفضل ثورات الشعوب تظهر إلى السطح أخطر الصفقات على وجود الأمة وعلى تاريخ نضالها حيث تتقاسم أركان الاستبداد شروط تنفيذ الصفقة. ففي مصر حيث يتربع النظام الانقلابي الدامي يتم إفراغ سيناء من سكانها حتى تكون أرضا بديلة للمهجرين من فلسطين وفي دول الخليج تُعقد الصفقات وراء الصفقات من أجل فرض الأمر الواقع والدفع بقبول الصفقة رسميا وشعبيا ومنع كل معارضة لها ولبنود تنفيذها. لكن رغم كل الجهود لأبرام الصفقة المحرجة والمخجلة في الخفاء فإن القبول الشعبي بها يبقى مستحيلا مهما اجتهد عرّابوها في ذلك وهو ما اعترف به الوزير الأول الصهيوني في أكثر من مناسبة. لن تجني الأنظمة العربية الراعية للصفقة إلا الخيبة وراء الخيبة مهما أوغلت في تقديم التنازلات لأن التاريخ القريب أثبت جليلا أن الأنظمة ذاهبة وأن القضايا باقية ما بقي صاحب الحق المطالب به.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد