كتاب وأراء

الطاقات البشرية العربية بين المهنية والهيمنة

خصمان لا يطيقان بعضهما. المهنية والهيمنة. فالمهنية التزام رصين باحترام القواعد. أما الهيمنة فغطرسة لا تحترم أية قواعد. المهنية أسلوب عمل دقيق يهتم بالحرفية وإتقان العمل والقيام به وفق قواعد علمية وقانونية وأخلاقية لا تنازل عنها. المهنيون الحقيقيون لا بد أن تكون لديهم خبرات ومهارات تؤهلهم للبراعة فيما يؤدونه أو ينتجونه بما يستوفي كافة معايير الدقة والاتقان. ويشترط فيهم أيضاً احترام جملة من القواعد القانونية والأخلاقية التي تحول بينهم وبين التسيب والانحراف والرشوة والغش والتدليس والكذب والرياء.
وبهذا المعنى فإن صناعة المهنيين ليست بالسهلة. فهي لا تعتمد فقط على ما يقدمه التعليم وإنما تتطلب وجود أفراد ذوي إرادة صلبة يصرون على احترام القانون والتمسك بأخلاقيات المهنة. ومن يجمع المقومات العلمية والقانونية والأخلاقية معاً يعد مهني من طراز رفيع وسيكون على الأرجح صلب العود وصعب المراس. لا يستسلم للخطأ أو يقبل بأنصاف الحلول أو يذعن لمن يريدون تسيير الأمور بشكل يجافي العلم والقانون والأخلاق. وتلك هي مشكلة المهنية مع الهيمنة.
فالهيمنة تنتهك القانون ولا تحترم العلم أو تأبه بالأخلاق. لا يهمها إلا السيطرة وتطويع الآخرين لإرادة واحدة قد تكون لمدير متسلط أو سياسي فاسد أو ثري جشع أو لطبقة اجتماعية كاملة أو لطائفة أو جماعة تريد أن تسيطر على الحيز العام وتحصل على نصيب يفوق ما تقرره القواعد والأعراف. ولأن المهنيين الحقيقيين لا يقبلون بانتهاك القواعد العلمية والقانونية والأخلاقية فقد كان من الطبيعي أن يجري استهدافهم وتهميشهم في المجتمعات التي تشيع فيها الهيمنة. فالمهنية لا تكتمل إلا في وجود مساحة مستقلة تسمح للمهني بأن يعمل ويتكلم بضمير لا يجامل. وهذا ما لا تسمح به الهيمنة. ولو سمحت فعادةً ما يكون لفترة محدودة إلى أن ينجز المهنيون ما يحتاجه منهم المهيمنون ثم بعد ذلك يجري العصف والتنكيل بهم.
والهيمنة ليست صفة في الحكم والإدارة برغم أنها كثيراً ما تتستر تحت اسميهما. فالحكم والإدارة ضروريان من أجل الضبط والربط في العمل. وهما لا يمارسان من حيث المبدأ إلا لمصلحة عامة وليس لهوى فرد أو طبقة أو جماعة. الأهم من ذلك أن الأصل في الحكم والإدارة أن يكونا في يد مهنيين يعرفون القواعد العلمية ويراعون الضوابط القانونية والأخلاقية في كل ما يقومون به. أما الهيمنة فلا تعترف بذلك وتخالف كل قواعد الحكم والإدارة فتتحول من حكم إلى تحكم ومن إدارة إلى إغارة. تغير على العام لتسخره لمصلحة الخاص فتجعل التعيين بالواسطة لا بالكفاءة واختيار طواقم العمل بالأمر لا بالاحتياج. الهيمنة باختصار حالة ذهنية تكره كل القواعد وتجعل المزاج حكماً وحاكماً على التصرفات.
وتزداد الهيمنة عنتاً في المجتمعات المتخلفة ديمقراطياً وعلمياً وأخلاقياً. فهي ليست مجرد هيمنة يمارسها الإداريون على المهنيين العاملين في المكاتب والمؤسسات وإنما قد تكون دينية وطائفية وسياسية ومذهبية ومؤسسية تتعامل مع كل آخر على أنه تابع مسخر وليس شريكاً موثوقاً. وبدلاً من أن تنجح المهنية في مثل هذه المجتمعات في كسر الهيمنة وتعرية وجهها الضار، تمكنت الهيمنة من النيل من المهنية والمهنيين عندما وضعت أنصاف المتعلمين وخريجين منعدمي الكفاءات على رأس قطاعات رفيعة لا لشيء إلا لأنهم يطيعون ويستسلمون.
وفي العالم العربي كثيراً ما خسرت المهنية معاركها مع الهيمنة. في كل بلد عربي شخصيات كانت تُعرف بالكفاءة والدقة في تخصصاتها ثم تخلفت بعد أن استقطبت واستوعبت ضمن ماكينة الهيمنة السياسية فراحت تخيب آمال مجتمعاتهم فيها. فبدلاً من أن يبلوا بلاءً حسناً ويقودوا القطاع التنفيذي الذي يشرفون عليه بنزاهة تحولوا إما إلى أبواق تدافع عن الهيمنة بل ومارس بعضهم أسوأ أشكال الهيمنة ضارباً بكل قواعد المهنية عرض الحائط.
وبسبب الانتصار المتكرر للهيمنة على المهنية ضاعت طاقات بشرية عربية كثيرة وأهدرت موارد إنسانية لا حدود لها لتنشأ بيئة عمل محبطة لا تفجر غير مشاعر الغضب والاستياء واليأس من أية جهود تبذل للإصلاح. ولا تقف مساوئ الهيمنة عند إهدار الطاقات وإنما تمتد إلى ما هو أسوأ حينما تحولت اللا مهنية إلى واقع يتقبل الناس وجوده وكأنه أمراً عادياً بل ويمارسها كثيرون دون أن يسألوا ضمائرهم عن تبعات ما يقومون به. وفي مناخ مثل هذا لن تستطيع أي مجموعة مهنية مهما كان حظها أن ترتقي بالأداء العام ما لم تتوقف الهيمنة عن الضغط عليها. وهذا أشبه بحلم أو شرط صعب لأنه يتطلب قبل استعادة المهنية كسر حلقات الهيمنة ونشر ثقافة جديدة يعرف الفرد بموجبها أن الإجادة وفق قواعد العلم والقانون والأخلاق أو ما يعرف بالمهنية لن يتطور إلا مع تقدم الحرية وتراجع الهيمنة.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات