كتاب وأراء

قبلاتي لابنتي الراسبة


لم أختلط طويلاً بجدتي، كونها كانت تعيش بمحافظة تنأى عن عاصمتي، لكن لطالما استمتعت بالروايات التي وصلتني عنها، سيما تذمر أعمامي صغاراً من موقفها المؤازر للراسب منهم، فكانت تراه الأحق بالدعم من الناجح الذي يكفيه أن طريقه ممهد بلا عثرات، عدا تفاخر الأهل به، وحلو مذاق النجاح الذي يهديه ثقة في نفسه منزوعة من كيان الراسبين. فشريعة جدتي كانت تدعم الراسب لتضميد جرحه وإعادة بنيان الثقة لنفسه لتأكيد أحقيته للتقدير، خشية أن ينقر سوس التحقير في شخصيته، فكانت تمد يد العزاء لتمسح تدفق الدمع من مقلتيه، تستميل المنكسر بربتة لتربط خطاه بسكة حديد الآفاق التي لا توصد أبداً.
كان مذهبها أنه إذا اجتمع في بيتها ناجح ومخفق، فالإسناد للساقط ولينصرف الرابح مدحوراً حتى تذوب الفواجع وتفنى المواجع حتى تبتسم قرائح الجريح، فالمؤازرة للمكلوم لترميم المتهالك من هشاشة نفسيته خشية أن تخالجه مشاعر عدم الاستحقاق للتقدير لمجرد سنة دراسية لم يَعْبُرُها.
كانت لا تترك راسبها إلا وقد وعى أن الإخفاق هو أحد مكونات كعكة النجاح، كما كانت تصر على حقنه بمواد إيمانية ودفعة أحاسيس متعاقبة نحتت وجدان سائر أبنائها، ففهموا أن من الطبيعي أن يسقط المرء ليعاود الصعود. لقد فعّلت جدوى الحياة، فيوم فقدت ابنيها، بكت طويلاً، لكنها سرعان ما كفكفت لتعاود الخطوات الواثقة، ثم احترقت ابنتها في السادسة عشرة عروساً، فبكتها حتى ابيضت عيناها، لتنهض ثانية لتمارس الحياة بعين واحدة وامتنان لرب كبير ترك لها سائر صغارها. مضت جدتي لبارئها وبقيت ثمالة التذكار تسكرني وتذكرني بجدوى وجودها في دنياي.
كانت جدتي خصبة كطمي الريف، فأنجبت للمجتمع عشرة أبناء «أورجانك» بكامل عزة النفس، وقد لاحظت أن اثنين منهم حازا تقديراً للذات يكفي شعوباً. المفارقة، أن لي أقارب أغنى ما لمست منهم يوماً عشر معيشير ثقة أعمامي بأنفسهم سواء استمروا في الخدمة أو أحيلوا للتقاعد، تمتعوا بالصحة أو ارتادوا المشافي، استمروا في زيجاتهم أم انفصلوا، فقد أتقنت جدتي فصل بذور الثقة في النفس عن أسمدة المعطيات الحياتية، فحصّنتهم ضد التخبط بين «ليت واٍه، ولو» كما ومن شظايا الاستعباد لتقدير الآخرين لهم من عدمه.
وبالمقابل لكثر ما عاشرت من معارف من علية القوم، كانت ثقتهم مرهونة بالمتخارج من معطيات الأقدار، سواء شهادة من جامعة أجنبية، زيجة مربحة، شعر ليلي ممهد، سيارة مكشوفة، أوشهادة براءة من العقم. لقد وهبنا الله أبناء هم أشد الكائنات حياة، فاجتهدنا لقتل الحياة فيهم كوننا لم نع أن أهم شروط عمران النفس هو سد حاجة العيش من التقدير لدعم تكوين صورة صحيحة عن ذواتهم.
فلا غرب أـن نجد بناتنا يُعلقن بأول عابر سبيل رويبضاً كان، بمجرد ما يلمح لها بإعجاب كوننا عطشناهن للتقدير، فما بالنا بمن ينهال على ابنه سباً وضرباً. أي منتج بشري متوقع من هكذا تدمير؟
إننا نعيش موسم الاحتفالات بالناجحين، فألف مبروك للمتفوقين، وفي الوقت ذاته أؤكد لأبنائنا ممن خالفهم التوفيق، أننا نعتز بهم نجحوا أم اخفقوا. ادعم صغيرك الراسب بالعناق، بالقبلات، بربتة الكتف، بالتصفيق أو بضغطة لايك.. ارفع قيمته أمام نفسه لتحول دون انجرافه لأصدقاء سوء أو أزواج أسوأ أو أي فرصة يجد فيها المرء ورداً لكلمة طيية اعتازها ولم يسمعها، فيرتج ارتجاج الأفلاك في مدارات من يستغل احتياجه للتقدير. إني أعوذ بالرحمن منك أن تكون كمن حول صغاره لخراف اضطرها راعيها «غير الصالح» لقبول تناول الدريس العفن، حينما منعها من أبسط حقوقها في غذاء صالح لحياة كريمة.
ليست دعوة للإغراق في المدح ولا في الانسياق للقدح، فكلاهما كفيل بطمس وعي الإنسان بحاله.
قبح الله من يتاجرون ببضاعة التقدير الصينية، القادرين على تحويل نفوس الصغار لخصوم تهوي بهم في قرارات الخسران.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي