كتاب وأراء

عن دلالات فوز أردوغان

لم تكن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في تركيا يوم الأحد الماضي مجرد انتخابات عادية بأي معيار ولكنها كانت انتخابات استثنائية ذات دلالات متعددة، ولأسباب كثيرة: فهي أولا انتخابات مبكرة جرت قبل موعدها المعتاد بما يقرب من عام ونصف. ولأن الرئيس رجب طيب أردوغان- لم يكن مضطرا لإجراء انتخابات مبكرة، فقد انطوى مجرد إجرائها قبل موعد استحقاقها بفترة طويلة على قدر ما من المخاطرة تعكس شخصية أردوغان الشجاعة والمغامرة في الوقت نفسه.
وهي ثانيا أول انتخابات تأتي في أعقاب تغييرات سياسية بنيوية شهدها النظام السياسي التركي، وحولته من نظام برلماني راسخ القدم إلى نظام رئاسي مستحدث. لذا تعد هذه الانتخابات في الوقت نفسه استفتاء جديدا على مدى قبول الشعب التركي أو رفضه لمثل هذه التغييرات أو الإصلاحات السياسية البعيدة المدى.
وهي، ثالثا: أول انتخابات عامة تعقد بعد الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع في يوليو 2015 وكاد يطيح بحقبة أردوغان بكل إنجازاتها ويحولها إلى مجرد جملة اعتراضية في تاريخ تركيا الممتد. ولأن حملات تطهير وتصفيات سياسية واسعة النطاق أعقبت هذا الانقلاب وأدت إلى فصل واعتقال عشرات الآلاف، فقد وجدت وسائل الإعلام الغربية في هذه الحملات فرصة لإظهار أردوغان وكأنه مجرد دكتاتور طاغية جبار لا يختلف في كثير أو قليل عن أكثر الحكام المستبدين قسوة وشراسة في دول العالم الثالث. لذا تعد هذه الانتخابات في الوقت ذاته وكأنها استفتاء شعبي بأثر رجعي لقياس مدى إقرار الشعب التركي لهذه الإجراءات العقابية، وما إذا كان يعتبرها مجرد إجراءات انتقامية لحماية رأس النظام أم أنها كانت إجراءات ضرورية لحماية أمن الوطن. وهي، رابعا وأخيرا: أول انتخابات تجري في أعقاب تغييرات واسعة النطاق شهدتها السياسة الخارجية مؤخرا وأدت إلى ابتعاد تركيا أكثر فأكثر عن الولايات المتحدة وإسرائيل وحلف الناتو وبعض دول الخليج العربي، دون أن تقطع كليا مع أي منها، وإلى اقترابها أكثر فأكثر من روسيا وإيران وقطر، دون أن تتحول إلى حليف دائم لأي منها. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن تبدو الانتخابات الأخيرة وكأنها استفتاء شعبي جديد على مدى تفهم الشعب التركي لتلك التوجهات الخارجية الجديدة ولمدى إقراره لها.
لم تكن النتائج الرسمية لتلك الانتخابات قد أعلنت بعد حين شرعت في كتابة هذه السطور، غير أن نتائجها الأولية أشارت إلى جملة من الحقائق يمكن إجمال أهمها على النحو التالي:
1 - شارك في هذه الانتخابات ما يقرب من 88 % من إجمالي الناخبين المقيدين في الجداول الانتخابية التركية، وهي نسبة مشاركة ربما تكون الأعلى في تاريخ الانتخابات التركية على الإطلاق
2 - تأكد فوز أردوغان بالمقعد الرئاسي من الجولة الأولى، وبنسبة تكاد تقترب من 53 % من إجمالي الأصوات الصحيحة.
3 - حصول «تحالف الشعب» الذي يقوده أردوغان، والذي يتكون من حزب العدالة والتنمية والحركة القومية، على ما يقرب من 54 % من إجمالي الأصوات الصحيحة وبالتالي على أغلبية مريحة من مقاعد البرلمان.
ولهذه المؤشرات دلالة رئيسية تفيد بأن أردوغان سيكون في وضع أقوى بكثير مما كان عليه، سواء بحكم ما أصبح يتمتع به من صلاحيات تنفيذية واسعة في نظام تركي رئاسي جديد واستناده في الوقت نفسه إلى أغلبية برلمانية مريحة داخل السلطة التشريعية، وهو وضع سيمكنه لا شك من قيادة البلاد نحو الوجهة التي يريدها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
لكل هذه الاعتبارات أعتقد أننا سنكون منذ الآن فصاعدا أمام تركيا جديدة ومختلفة كليا عن تركيا التي كان مصطفى كمال أتاتورك قد شكل ملامحها الأساسية في أعقاب هزيمة قاسية منيت بها إبان الحرب العالمية الأولى وأدت إلى سقوط الخلافة العثمانية. لكن ما زال على أردوغان أن يثبت، خاصة بعد وقوع انقلاب فاشل على تجربته في منتصف عام 2015، أن يثبت أن إقامة نظام ديمقراطي كامل، وبمرجعية إسلامية، لم يعد مجرد أمل يراه البعض سرابا، وإنما أصبح حقيقة واقعة وراسخة قادرة على أن تحول تركيا من دولة تابعة للولايات المتحدة والغرب إلى دولة مستقلة تملك إرادتها بيدها وتسهم في إقالة العالم الإسلامي من عثرته الراهنة.
الأيام وحدها ستحكم على مدى صحة هذه المقولة.
بقلم د. حسن نافعة

د. حسن نافعة