كتاب وأراء

«عالم من مقاهي»

يلفت أن معظم الاستثمارات الصغيرة الوليدة في مجتمعات عربية، وخاصة استثمارات الفنانين الذين راكموا من دخولهم الكبيرة ثروات، تتجه إما لافتتاح مطاعم بمستوياتها المختلفة، أو افتتاح مقاهٍ، ذلك لأن المجالين: «المطاعم» و«المقاهي» يدران أرباحا كبيرة لا تدرها أي استثمارات أخرى، ولهذا ستجد فيضا من المطاعم والمقاهي في بعض العواصم والمدن العربية.
من وجهة نظر اجتماعيين لا يبدون ارتياحا لتفشي المقاهي والمطاعم على هذا النحو، من حيث إن هذه الظاهرة عنوان لظواهر مرضية وسلبيات في المجتمع، إذ أنها تدل على أن البيوت لم تعد جاذبة لساكنيها، وأنها صارت بيئة طرد ربما للزوجين، الذين تستقبلهم أما مقاهٍ أو مطاعم، وإن عددا ليس قليلا من البيوت في هذا الزمن استقالت من أهم وظائفها التي تحفظ للأسرة تماسكها واستقرارها، فلم تعد الزوجة تطهي كما كان جيل الجدات يطهين، ولم يعد الزوج يفضل البقاء في المنزل بل تجذبه بيئة المقهى، التي يجد فيها من يتجاذب معهم أطراف الحديث والثرثرة، وأحيانا خوض مباريات ألعاب التسلية الشديدة الجاذبية.
في مجتمعات أخرى ينظر الاجتماعيون إلى ازدحام المقاهي بالزبائن على أنها عنوان لارتفاع منسوب البطالة في المجتمع من جهة، أو أنها تتسبب في بطالة مقنعة من جهة أخرى إذ إن بعض الموظفين يتسللون من أوقات دوامهم للجلوس في المقهى، ومن ثم فإن استشراء المقاهي، واستمرارها على مدار الساعة لا يبعث على الارتياح لدى كثيرين، رغم أن المقاهي مجال استثماري يدر دخولا طائلة على أصحابها، حتى إن البعض يطلق على أصحاب المقاهي: «تجار المياه السخنة»، فيما يسميهم آخرون: «تجار المياه الباردة»، فيكفي أن تمتلك المكان، أما الخامات المستخدمة فهي ليست مرتفعة الأسعار..
الذين أكثروا من زياراتهم لمجتمعات الغرب والشرق المتفوقة اقتصاديا يحدثوننا عن أن الكافيهات لا تنشط في استقبال زبائنها هناك إلا فيما يسمى: «الويك اند»، لأن الأولوية في الوقت بقية أيام الأسبوع تكون للعمل الجاد والمخلص وأحيانا المبدع، ومن ثم فليس هناك مجال لإهدار الوقت.
ورغم احترامي لكل هؤلاء الذين لا يستسيغون المقاهي ويرون فيها تداعياتها السالبة فقط، إلا أنني لا يمكن أن أنسى أنني كنت صحفيا لا أكتب ولا أقرأ إلا في مقهى، وكم من المرات التي استدعتني الكتابة أن أمضي وقتا طويلا منفردا في مقهى شهير بالدوحة، إلا أنه للأسف الشديد أغلق هذا المقهى أبوابه قبل سنوات، إذ إن العزوبية قد جعلت من مطعم ومقهى ملتصقين ملاذا مفضلا لي يصعب الاستغناء عنه، فالحياة تفرض على المرء أحيانا أن يرتاد ما لم يكن يحب ارتياده، غير أنني مدين لهذا المقهى الشهير بأنه كان مستوعبا لعزوبيتي وغربتي، وفيه كنت أمضي ساعات شاردا فيما سأكتبه قبل أن أسطره على الورق، وأيضا في هذا المقهى كتبت أولى رواياتي: «من أجل عيون مانوليا» التي نشرها لي ملحق: «أوراق» الذي كان يصدر أسبوعيا يوم الخميس برفقة «الوطن».
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي