كتاب وأراء

عن إعادة بناء النظم الإقليمية المفككة .. إشكاليات الحالة العربية

سيظل البحث عن علاج لأمراض التفكك العربي مستمراً. وهو بحث صعب وشاق لأنه تفكك متعدد الجوانب. جغرافي وتاريخي ونفسي واقتصادي وسياسي ووظيفي. لم تعد البلدان العربية حتى الملاصقة جغرافياً لبعضها قادرة على بناء أي رابطة إقليمية ذات جدوى. وما كان يعرف بالنظام الإقليمي العربي وصل إلى لحظة فارقة وربما تسجل نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين المشهد الختامي لوجوده.
فبعد أن عجز العرب لثلاثة أرباع القرن عن فرض أنفسهم على الشرق الأوسط. وبعد أن قويت شوكة إسرائيل وتركيا وإيران بوضوح عليهم. وبعد أن صدّرت الدول العربية إلى بعضها مشكلات أعقد وأكثر من كل التي صدرتها لهم دول الجوار أو أتت بها إليهم قوى دولية كبرى. وبعد أن أصبحت مقررات منتدياتهم في عيون شعوبهم والعالم مجرد حبر على ورق. بعد كل هذا لم يعد قرار إعادة تشكيل هذا النظام المفكك في أيد العرب. فهم أقرب ما يكونون إلى مادة خام وأحجار يعيد القادرون وحدهم تشكيلها في رابطة إقليمية جديدة ينتظر ميلادها ولم تتضح بعد ملامحها لكنها لن تقوم على أية فكرة سبق أن روج لها من قبل.
لن تعرف المنظومة الإقليمية الجديدة الجاري التصارع عليها مثلاً ترويجاً للقومية العربية. فهذا أمر لم يعد مسموحاً به دولياً وإقليمياً بل وبات محل شك وطعن من بعض العرب أنفسهم. لن يُسمع فيها عن التصنيع العربي المشترك أو السوق العربية المشتركة أو الأمن الجماعي العربي أو معاهدة دفاع عربية. فكل هذه كانت من شعارات النظام الإقليمي القديم الذي تفكك وشارف على أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وقد بدأت القوى الدولية تتصارع على تشكيل النظام الإقليمي الجديد. الصين قادمة بمشروع الحزام والطريق. وروسيا عائدة ومعها أميركا إلى حرب باردة جديدة لدى كل منهما خبرات واسعة حول كيفية إدارتها في الشرق الأوسط. وهناك أقليات في المنطقة طلت برأسها وتجد دعماً لا بأس به من الخارج. هذا بجانب قوتين في المنطقة كانتا إمبراطوريتين، هما تركيا وإيران، يصارعان ضد أي تهميش لدورهما في النظام الإقليمي الجديد. أما إسرائيل فاللحظة لحظتها. فقد خرجت منذ نهاية الحرب الباردة بأكبر المكاسب. ثم هناك قوى عربية جامحة تراودها أحلام الغنائم الجغرافية في منطقة تتفكك فراحت لهذا الهدف تحشد البدون وتشتري الموانئ وتحتل أراضي عربية تحسباً للحظة إعادة تشكيل المنطقة.
ولن يكون تفكك النظام الإقليمي العربي سابقة في التاريخ. فكل النظم الإقليمية تتشكل ويعاد تشكيلها إما بعد حروب ضروس أو بفعل توافقات دولية. النظام الإقليمي الأوروبي مثلاً تفكك بعد الحرب العالمية الثانية وأعيد بناؤه فانقسم إلى شرق وغرب. ثم أعيد بناؤه مرةً أخرى بعد نهاية الحرب الباردة لينشأ فضاء أوروبي جديد شمل دولاً كانت متخاصمة من قبل. النظام الإقليمي العربي نفسه لم يكن موجوداً إلى أن تأسست الجامعة العربية. من قبلها عرف العرب نظماً إقليمية أنشأتها وأعادت إنشاءها إمبراطوريات كانت تتصارع فيما بينها على الأرض والنفوذ.
هذا النظام تفكك وافتقد خمس ركائز رئيسية. أولها القائد الإقليمي أو الدولة المحورية المحركة التي يُحتكم إليها ولا يمكن بحال من الأحول تجاوزها. وثانيها قواعد متفق عليها تحكم سلوك اللاعبين حتى في وقت الخلافات والصراعات. وثالثها الضعف المؤسسي الذي تبرزه جامعة لا تجمع العرب بقدر ما تظهر فرقتهم. ورابعها المناعة ضد التدخل الخارجي وقد ضعفت بشدة بعد غزو العراق ثم انهارت بعد استباحة سوريا. وخامس المفقودات القضية المحددة للهوية بعد أن تراجعت أولوية القضية الفلسطينية ولم يعد العرب ينشغلون بها أو يعتبرونها قضية الأرض والعرض كما كانوا يرددون.
هذه المفقودات الخمسة تعتبر إشكاليات لا يعطيها العرب اهتماماً كافياً، ما أتاح لكل من له في منطقتهم فرصة أو مصلحة التدخل لملأ فراغ تركوه يكبر بل وراحوا يوسعونه بسبب سوء تصرفاتهم. وكل دول المحيط الجغرافي القريب أو تلك القادمة من بعيد ما أن ترى العرب وهم يكتفون برد الفعل دون أن يطوروا مبادرة تمثلهم إلا وتبدأ في طرح تصورات معيبة وخطيرة عن مستقبل هذه المنطقة تتجاهل العرب بعد أن ضعفوا وهانوا على أنفسهم.
وبسبب تلك المفقودات الخمسة ستتواصل عملية تفكيك وخلخلة ما تبقى من نظام إقليمي كان للعرب يوما دور في صنعه وإدارته. ستزداد نفاذية القوى الكبرى والمتوسطة في المنطقة. ستضطرب العلاقات العربية أكثر في ظل غياب قواعد مستقرة ومتفق عليها. ستتراجع جرأة المتحدثين عن وجود خصوصية إقليمية للعرب يجب التمسك بها أمام خطاب جديد يؤكد أن مستقبل المنطقة بات في يد النافذين فيها سواء كانوا من داخلها أو خارجها وليس في يد العرب الذين باتوا حلقة العالم الضعيفة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات