كتاب وأراء

لا أرتاح لهؤلاء


ربما كنت مثلي صغيرًا عندما وصفوك بالاجتماعي مثلما وصفوني صبية بالفتاة العِشَرية.
فلقد كنت مثلك أعلق سريعًا مع أي ابتسامة وأتبادل الأسرار مع أي جليسة جوار، فلما بت اليوم شخصًا انتقائيًا في اختيار محيطه؟ وكيف بات الحذر يطمئنني عوضًا عن الانغماس مع الآخرين لأبدو محاطة؟
المدهش أن حذري يتفاقم مع «الأعراف» ممن أعرف صحيفة سوابقهم، بخلاف الغريب الذي أجهل آثامه. فلكم فضلنا الأقارب عن الأغراب، على أنه كثيرا ما نرتاح للأغراب عن المعارف.
-غدوت أعرض عن الشخصيات التي تستفتح التعارف بأسئلة تحديد المستوى الاجتماعي.
- أزدري المتفاخرين بحشر معلومة قرابتهم لشخصية ذات حيثية بلا داع تكسباً من مكانة الآخرين أو للتعكز على نجاحاتهم.
-شيء ما في صدري ضاق من تعملق إعلانات جمع التبرعات، رُغم إكباري لجامعيها في الصغر، أما اليوم فقد أُضجَرت من استفحال تلك الظاهرة، ولو الأمر بيدي، لمنعت جباية التبرعات من محدودي الدخل.
- أنفر من المقارنين، بشرتي أفتح من بشرتك، يا لحظها، بيتها أوسع من بيتي، أولادها أهدى من بناتي، مواعيد دوامها أفضل من عملي. فهؤلاء الذين يتعامون عن نعم الله عليهم فيما يركزون على نعم سائر الخلق، لا أعنونهم حسدة، بل حقدة.
- أحذر الضبابيين، إذ أفضل عدوًا أسود يمنحني فرصة أخذ الحيطة عن مدعي أخوة رمادي، في فمه سم التمساح وفي عينيه دمعه. فليست المشكلة في الأبيض الغرير، وليست المعضلة في الأسود الشرير، لكن الطامة في الرمادي المنافق.
- أُكبر من يحترم المسافات ومن يفهم أن للبيوت حرمات، فيمارس عادة أخذ موعد قبيل الزيارة، ويكتفي بالاتصال مرتين على الأكثر دون التعكز على شعار العشم.
-احترس ممن تقبل إضافة زوج زميلتها فيما الزميلة محذوفة من قائمة صداقتها. واندهش ممن تعلم أن زوج جارتها ينشر صورته مع راقصة فتبدي إعجابها بإهانته لزوجته. سعيدة بقهرتها على الملأ مثلاً؟!
- أضيق بمن يفتتح كلامه بـ: ممكن أقول حاجة، لكن بدون زعل.
لا أرجوك، لا تنطق بحرف يحمل شبهة إيذاء لي، فكم أنزعج ممن يعتذر مسبقًا قبيل تسديد طعنته بدعوى الاستئذان قبيل العكننة.
- أتوجس من ابتسامة المبشرين بالأديان وأراها مصطنعة بل شبيهة بابتسامة مندوبي المبيعات.
- أتنمر من المتربحين من دموعهم ومن يقتاتون بماء الوجوه.
- أتحصرم ممن يساوي الخطأ بالجُرم.
- أتوجس ممن كلامه على الملأ ينضح بالحكمة، فيما لو اطمأن لبياض المكان من البشر، صخب حديثه بسواد خائنة الأعين همزًا ولمزًا.
- لا أطمئن لمن لا يغير رأيه لو اتضح له خطؤه خشية أن يقال متلون.
- أكره من يتربحون من المقدس لاستعباد أبنائهم أو تحويلهم لـ«كاش كاو».
- لا أرتاح لمن يتحسسون الماء قبيل ولوجه، فإن صاحبوا المصلين صلوا وإن صاحبوا المغنين غنّوا.
- أنفر ممن لا يقدرون يومهم إلا لو غدا أمسًا ولا طيبهم إلا لو قسا.
- أنفر ممن يتوسل الفكاهة لسلخ كرامة أخيه تحت بند المزاح.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي