كتاب وأراء

نظام دولي في حالة سيولة خطرة

يلجأ المتخصصون عادة إلى صك مصطلحات معينة للدلالة على ظواهر بعينها قابلة للرصد في مجال المعارف الإنسانية المختلفة.. فالمتخصصون في مجال العلاقات الدولية، على سبيل المثال، يصفون النظام الدولي بأنه «أحادي» أو «ثنائي» أو «متعدد» القطبية استناداً إلى عدد ونوعية القوى المهيمنة أو المتنافسة على قيادة النظام الدولي.
فحين تهيمن دولة واحدة، أو مجموعة متجانسة ومتماسكة من دول متحالفة، على النظام الدولي السائد في مرحلة من المراحل, وهو الوضع الذي استقر لبعض الوقت عقب سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة بالقيادة دون منافس، يوصف النظام في هذه المرحلة بأنه «أحادي القطبية».. وحين تتنافس دولتان أو «معسكران» للهيمنة على النظام في مرحلة معينة، وهو الوضع الذي استقر في زمن «الحرب الباردة» بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، يوصف النظام السائد بأنه «ثنائي القطبية»، وحين تتنافس عدة دول متقاربة القوة، وهو الوضع الذي استقر في مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، يوصف النظام السائد في هذه المرحلة بأنه «متعدد القطبية».. ولأن كافة المصطلحات السابق ذكرها تبدو جميعها «تقريبية» أي غير قادرة بالضرورة على وصف الظاهرة المشار إليها بالدقة المرجوة، يتم اللجوء أحياناً إلى صفات إضافية أو تكميلية، كـ«الجمود» أو «المرونة» فنقول مثلاً عن النظام الدولي السائد أنه يتسم بثنائية قطبية «جامدة» أو «مرنة» حسب درجة أو حدة حالة الاستقطاب التي يتسم بها هذا النظام.
غير أنه يتعين الانتباه إلى وجود مراحل تحول في النظام الدولي، ومنها المرحلة الراهنة، تبدو عصية على التصنيف.. إذ يصعب وصف النظام الدولي الراهن بأنه نظام «أحادي القطبية» على الرغم من أن «فجوة القوة» بين أميركا وأي قوة دولية تالية في المرتبة لاتزال واسعة من منظور القوة الشاملة.. فترامب يرفع حالياً شعار «أميركا أولاً» ويصر على أن تتحمل الدول الحليفة لبلاده نصيبها من نفقات الأمن، وكثيراً ما يقرر الانسحاب أحادي الجانب من اتفاقيات أو معاهدات دولية ملزمة، بدعوى تعارضها مع المصالح الأميركية، وكلها تصرفات لا تستقيم مع مفهوم «الهيمنة».. فالدولة التي تنفرد بالهيمنة على النظام الدولي عادة ما تكون قادرة على فرض ما تراه ضرورياً من قواعد أو قيم لازمة لإدارة النظام الذي تقوده، لكنها لا تستجدي ولا تنسحب ولا تتبنى معايير مزدوجة عند تطبيقها، كما تفعل الولايات المتحدة حالياً.. كما يصعب وصف هذا النظام بأنه «ثنائي القطبية»، رغم تنامي دور روسيا، أو بأنه «متعدد القطبية» رغم قدرة عدد كبير من القوى الدولية كالصين والهند والاتحاد الأوروبي وغيرها على ممارسة نفوذ حاسم أحياناً في قضايا بعينها.. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن الإطار المؤسسي للنظام الدولي الراهن، ممثلاً في الأمم المتحدة، يبدو في حالة موت سريري، خاصة في معالجة قضايا السلم والأمن الدوليين، لتبين لنا بوضوح أن النظام الدولي يمر في المرحلة الراهنة من مراحل تطوره بحالة «سيولة» تكاد كاملة، لكنها سيولة من النوع الخطر، لأن التفاعلات الدولية التي تجري فيها تتم بشكل غير منضبط وفي غياب قواعد متفق عليها أو مؤسسات مشتركة مسؤولة عن إدارتها.
لنأخذ طريقة معالجة النظام الدولي في مرحلة تطوره الحالية للقضية الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر.. فعلى الرغم من أنها قضية دولية بامتياز، وتتحمل كافة المؤسسات الدولية، منذ عهد «عصبة الأمم» وحتى يومنا هذا، جانب كبير من المسؤولية عن إخفاق المجتمع الدولي في معالجتها طبقاً لقواعد القانون الدولي، تصر الولايات المتحدة على الانفراد بمعالجتها في إطار ما اسم يعرف إعلامياً باسم «صفقة القرن»، وهي صفقة يجري العمل على «طبخها» حالياً خارج إطار مؤسسات الأمم المتحدة، وفي غيبة الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني، وبما يتناسب مع مصالح الدولة الإسرائيلية وحدها.. ولأن الولايات المتحدة تبدو بعيدة عن موقع الدولة «المهيمنة» على النظام الدولي في المرحلة الراهنة من مراحل تطوره، فمن الواضح أنها لا تملك الآليات التي تمكنها من فرض هذه الصفقة بالقوة، كما لا تملك المقومات والركائز الأخلاقية التي تمكنها من إقناع الأطراف المعنية بجدوى التعامل الإيجابي معها، يبدو لي أن مصير «صفقة القرن» هو الفشل المحتوم، لكن أثمانه قد تكون باهظة، وهنا مكمن الخطورة.
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة