كتاب وأراء

العالم والكرة الساحرة

اكتشفت متأخرا فائدة معنوية وصحية لمتابعة مباريات كرة القدم، تلك التي ما كنت أعيرها أدنى اهتمام، وأتجاهلها تماما رغم أنني كنت في شبابي لاعبا ماهرا ومراوغا يخشاه خصومه، يتميز بسرعة عدو مذهلة يستشيط للبراعة فيها غضبا الفريق المنافس، وتكمن فوائد متابعة مباريات كرة القدم في أنها تحتل مساحة من الاهتمامات في الحياة اليومية تزيل أكوام الأسى النفسي، أو ما يسميه البعض الكدر الذاتي، وأيضا مباريات كرة القدم كما لو أنها تحدث في البدن حماسا صحيا للطاعنين في العمر مثلي، فمنهم من تنتقل إليهم عدوى الصحة والفتونة والرغبة في العدو بفضاءات الملاعب الخضراء والحنين إلى ركل الساحرة المستديرة، ربما للتأكد أن ركلات «العواجيز» لا تطيش بعيدا عن القائمين، مثلما تسددها ركلات الشباب الصاروخية.
لكرة القدم سحرها الذي لا يقاوم، ولهذا كنت استغرب ان الأميركيين ومعهم الكنديون يفضلون لعبات أخرى غير لعبة كرة القدم، فلهم كرتهم البيضاوية الشكل، ولنا كرتنا المستديرة، ولم يبدأ اهتمام الأميركيين بكرة القدم كما نعرفها الا متأخرا، ولهذا لم تنجب أميركا عمالقة قي كرة القدم مثل بلاي الجوهرة السوداء أو رونالدو، أو مارادونا...الخ، فالفناء الجنوبي للولايات المتحدة الأميركية منجم للكرويين العظام، بينما حرصت بلاد العم سام ان تكون منجما للملاكمين والمصارعين العظام.
ورغم ان المونديال الذي تحتضن روسيا حاليا منافساته، التي سيكون بعضها شرسا، الا ان سيكولوجية العالم تكون في حالة افضل خلال هذا المونديال، من زمن آخر تقذف فيه السياسة يوميا بحممها من الحروب والأزمات والصراعات والصدامات المروعة، كما لو ان العالم سيكون خلال المونديال في أيام هدنة، إلا اذا أراد الإرهاب الاسود لا قدر الله غير ذلك.
بل ان مشاهير السياسة في العالم ينشغلون بمونديال كرة القدم، فانظروا مثلا انجيلا ميركل المستشارة الالمانية تعلن عن استعدادها لمرافقة منتخب بلادها ان سمح جدولها الزمني بذلك، وذلك في الوقت الذي قررت فيه لندن مقاطعة سياسية للحدث على خلفية قضية محاولة تسميم عميل سابق.
واللافت ايضا ان عددا ليس قليلا من قادة العالم التقوا منتخبات بلادهم لتحفيز لاعبيها قبل المغادرة إلى روسيا، فانظروا مثلا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تسامر خلال تناوله الغذاء مع منتخب بلاده قبل مغادرته إلى روسيا بالقول إنه كان لاعب كرة قدم في شبابه ولم يكن حماسه يفتر وكان يحفز فريقه، وانه كان ظهيرا أيسر، ولكنه اعترف بأنه كان غير شديد المهارة..
ومن المعروف أن عديدا من قادة السياسة في العالم، ومن غير الحاجة إلى ذكر اسماء، كانوا لاعبين ماهرين واشداء يجدون متعة كبيرة بالتخفيف عن انفسهم بملاعب كرة القدم الخضراء، بعد ساعات طوال من العمل الشاق على مكاتب مهما كانت مقاعدها وثيرة ومريحة.
وفي كل الاحوال سيكون العرس الكروي في روسيا جديرا بالمتابعة، ومركز الاهتمام فيه مباريات عمالقة العالم، وايضا المشاهد الاسطورية للاحتفالات كما سيبدعها الروس وتكنولوجياتهم.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي