كتاب وأراء

الاستبداد البيروقراطي والتدهور الديمقراطي

قد لا يعرف كثير من الناس أسماء كبار المسؤولين في بلدانهم. قد يجهلون الوزراء وقادة الأحزاب وحكام الأقاليم. وقد لا يعرفون أيضاً ما يؤدونه من مهام. لكن أكثر الناس يسأل ويتحرى ويسعى لأن يعرف ويحفظ عن ظهر قلب أسماء كثير من الموظفين في دوائر مثل التأمينات والكهرباء والمعاشات وتصاريح البناء والمرور والتعليم وكل القطاعات الخدمية التي لا يستغنون عنها في حياتهم. قد يعيش مواطن في بلد ما لسبعين أو ثمانين سنة دون أن يرى ولو لمرة واحدة وزيراً أو سياسياً. لكنه غالباً ما يلتقي كل شهر إن لم يكن كل بضعة أيام بموظف إداري أو رجل بيروقراطية يقضي له مصلحة أو يراجع معه طلباً أو يتقدم له بشكوى.
فالناس منذ أن تطورت الدولة على شكلها الحديث وهي تتعامل مع المكاتب الحكومية والأجهزة البيروقراطية أكثر مما تتعامل مع الأجهزة السيادية أو المؤسسات السياسية. لا يرون واضعي السياسات وإنما يتعاملون مع من ينفذها. وهذا طبيعي لأن الحكومات تضع الخطوط العريضة للسياسات ثم تتركها للبيروقراطيين ليطبقوها. وهؤلاء هم من يعرفهم الناس عن قرب ويتعاملون معهم باستمرار ويعتبرون أنهم والحكومة سواء. فيقدرونهم لو أنجزوا ويلومونهم لو تعسفوا.
في كثير من بلدان الجنوب، ومن بينها بلدان عربية عديدة، تكثر الشكاوى من الروتين والبطء والرشاوى والفساد وكل صور التعسف البيروقراطي. يتأفف الناس من الموظفين عندما لا ينجزون لهم معاملاتهم بطريقة مستقيمة ومرضية. يخشون أن يعطل لهم موظف مصلحةً لو تجرؤوا على انتقاد انصرافه عن العمل أو انشغاله بتناول الفطور أو بالحديث مع زميل له. يشكون من أن معاملات بسيطة لا تحتاج إلى دقائق تأخذ شهوراً وربما سنوات. يشعرون بالقلق وهم يمسكون ملفاتهم أمام بعض الموظفين من أصحاب الوجوه المتعنتة والألسنة السليطة فيبسملون ويسألون الله السلامة.
أكثر الناس عرف التعنت البيروقراطي وذاق طعمه بشكل أو آخر. لكن ما لا يعيه كثيرون أن الاستبداد البيروقراطي لا ينشأ منفصلاً عن المناخ العام وبالذات عن الاستبداد السياسي وحالة التدهور الديمقراطي. فالاستبداد كتلة واحدة. هو حالة كاملة من القهر والاحتقار والنفور من الحرية والاحترام. حالة قد تعشش في مكاتب الموظفين أو تتفشى في علاقات المواطنين أو تظهر في تصرفات السياسيين أو تنطق بها ألسنة المثقفين. والموظف على مكتبه يعتبر حاكما على الشعب في المسألة أو الإجراء الذي أسند إليه. فإما أن يتحلى في تعامله مع من يراجعه بروح ديمقراطية تقوم على الاحترام وتحمل المسؤولية أو أن يتصف على النقيض بغطرسة القوة وغرور الأنا ووهم تملك الموقع العام الذي وضع على رأسه ورؤية من يترددون عليه على أنهم متسولون للعطف والرحمة وليسوا مواطنين لهم حقوق.
مثل هذا اللون من الاستبداد البيروقراطي لا يعيش إلا لأنه يستلهم من الاستبداد السياسي ولا يستمر إلا بسبب حالة التدهور الديمقراطي التي تشيع معه. فمثلما يعصف الاستبداد السياسي بالحقوق والحريات المدنية للمواطنين يعصف الاستبداد البيروقراطي بحقوقهم الإدارية. والعلاقة بين الاستبدادين السياسي والإداري وثيقة العرى.. هنا يأتي دور الاستبداد البيروقراطي في خدمة الاستبداد السياسي. فالمكاتب الحكومية متى تعنتت ومتى استغرقت وقت الناس في مراجعات مهلكة إلا وأجبرتهم على الانصراف من المجال السياسي إلى دنيا التعقيدات الإدارية.
وفي مثل هذا العالم الإداري المعقد قد يصادف المواطن طلبات غريبة يفني من أجلها وقتاً طويلاً في تجميع أوراق أكثرها لا لزوم له وفي مراجعة مكاتب عديدة لا حاجة لها. ومن يبقى من الناس على هذه الحالة يتردد على المكاتب ويتوسل إلى البيروقراطيين لن يجد من الوقت أو الطاقة ما يدفعه للاهتمام بالشأن السياسي. ولهذا السبب أصبح الاستبداد البيروقراطي مهماً لبقاء الاستبداد السياسي. فالأخير لا يمكن أن يعيش من غير الأول والإدارة الغليظة لا تنشأ إلا مع السياسة الغليظة التي تعول على وجود بيروقراطية تقهر الناس وتشغلهم بالورق والأختام والموافقات والاشتراطات لتصبح هي كل حياتهم. وبسبب هذه العلاقة بين السياسة والبيروقراطية فلا يمكن أن يكون لأي إصلاح إداري قيمة ما لم يرافقه إصلاح سياسي شامل وعميق. بديهية لكنها تأبى أن تُحترم.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات