كتاب وأراء

الســودان .. «الاقـتصــاد أولاً»

(1)
لم أجدْ مُختصراً مُناسباً لوصف السياسة، أفضل من مقولة: (السياسة فنُّ تجنيب الشعوب المأساة). لا تُوجد مأساةٌ أكبر من الفقر والحرمان من ضروريات الحياة: المأكل والمشرب والتعليم والعلاج، والضحك المُعافى.
ستُصبح المأساة أكبر، والفاجعة أعظم، إذا كان الفقرُ والحرمانُ مُرتبطَيْن بوجود إمكانيات وثروات زاخرة غير مُستغلَّة، أو مُهدرة في تجارب العبث ومشاريع الخراب، والذهب يبتسم تحت أقدام الفقراء. لا تزال حسرةُ شاعرنا الراحل صلاح أحمد إبراهيم عالقةً على بوابة التاريخ: النيل وخيرات الأرض هنالك.. ومع ذلك.. ومع ذلك!
(2)
منذ فترةٍ تتملَّكُني قناعةٌ قوية: ليس لنا من خيارٍ لتجاوز أزماتنا في السودان، سوى أن يُصبح الاقتصاد قاطرة السياسة، وأن يُدار بقوانين الشركات الربحية وثقافتها، لا بخيال الأفندية وحذر المُحاسبين.
المشاريع الهُلامية، وإشكالات الهويَّة، والشعارات الفضفاضة، والصراعات على السلطة والثروة في كُلِّ العهود؛ أقعدتنا عن النهوض وأثقلت خُطانا عن التقدُّم.
بزيارةٍ لدار الوثائق، واطِّلاع وتصفُّح لمدة ساعتين على الصحف في كُلِّ العهود الوطنية، ستكتشف أن الاقتصاد لم يكن من أولويات الحاكمين والمُعارضين في السودان.
مُعظم العناوين والأخبار والمقالات مركزها الصراع السياسي، السياسة بمفهومها القديم، الخطابة واللعب بالبيضة والحجر و(طق الحنك) وتقديم الوعود الطائرة بلا رصيد.
ساسةٌ يحكمون، وساسةٌ يُعارضون، ولعبة الكراسي لا تنتهي.
المنابرُ سوقٌ والشعبُ البضاعة، على قول شاعرنا العملاق عبد القادر الكتيابي.
لن تجد في تلك الصحف سياسياً يتحدَّثُ عن الاقتصاد، ولا يستخدم لغة الأرقام.
(3)
وحتى تتأكَّد من حالة الثبات والانغلاق على مواضيع وقضايا مُحدَّدة، قم بتغطية التواريخ والأسماء في تلك الصحف، واختبرْ نفسك أو غيرك في أيِّ عهدٍ أو عام صدر هذا العدد من الصحيفة، ستجد صعوبة في إيجاد الإجابة الصحيحة.
العناوين مُكرَّرة والقضايا ثابتة، على قول الشاعر الشعبي:
المناظر هيَّ ذاتا
الصور نفس المشاهد
الشوارع والبيوت
الأماكن والمقاعد
والزمان ثابت مكانه
والرقم اللسة واحد
(4)
تذكَّرتُ كل ذلك، حينما كنت أستمع لخطة اقتصادية تفصيلية، قدَّمتها غرفة الصادر باتحاد أصحاب العمل السوداني بالأمانة العامة لمجلس الوزراء. الدعوة جاءتني من السيد مبارك الفاضل رئيس القطاع الاقتصادي، ووزير الاستثمار.
الخُطَّة عبارةٌ عن خريطة طريقٍ بين الحكومة والقطاع الخاص، لزيادة الإنتاج والارتقاء بالصادرات.
هذه هي المرة الأُولى التي يُشارك فيها القطاع الخاص بصورة أساسية وفاعلة في التخطيط، لتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة.
الخُطَّة شاملةٌ وتفصيليةٌ بمواقيت ونسب وأرقام مُتوقَّعة، لإحداث قفزة في الصادرات تتجاوز الأرقام الهزيلة والنسب الضعيفة وحصائل العدم.
وأهمُّ ما فيها الربط بين الزراعة والتصنيع واحتياجات الأسواق الخارجية.
(5)
جمَع الخوف بين الجميع، وهم يخشون أن تلحق خريطة الطريق الجديدة بسابقاتها، في المقابر الجماعية للمشاريع الفاشلة (النهضة الزراعية وأخواتها).
رغم جدية تلك المخاوف، لا خيار سوى التمسُّك بالأمل وترديد النشيد مع محمود درويش:
قف على ناصية الحلم وقاتل
فلَكَ الأجراسُ ما زالتْ تدقّ
ولَكَ الساعةُ ما زالتْ تدقّ.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال