كتاب وأراء

ينعى ابنه ويصلح ساعات


ذكر فيلسوف شهير بمذكراته، أن أخاه الأصغر كان طالبا مجتهدًا يحلُم بالأستاذية للتماثل به.
وبالامتحان النهائي، اختير الفيلسوف ضمن أعضاء هيئة التدريس الممتحنة.
واعترف الأخ الأكبر أنه بخس أخاه في الدرجات، لأن نيته كانت درء شبهة التحيز والمحاباة عن نفسه أمام هيئة التدريس. انتوى ظلم أخيه لإنصاف نفسه زورًا، لإدراكه أن محيطه سيُكبِرهُ لو غمط حق أخيه، ثم كتب: «لقد ظلمت أخي ليقال منصف!»
فنيته ليست إنصاف الحق، بل إنصاف سمعة نفسه!
-عشرات المواقف الشبيهة تتكرر حين يجامل الآباء أبناء المعارف أو الأقارب على حساب أبنائهم، لأنهم بالسليقة يدركون أنهم سيحظون بسهم ثمين في بورصة المجتمع وسيعنونون منصفين ولو ظلموا أكبادهم!
فتوبخ أم ابنها المهضوم حقه لتناصر ابن جارتها، تعز الغريب فيعيش ابنها ذليلًا لشعوره أنه هوان على أمه أهوانا.
-أب يهادي إخوته بالثمين فيما بناته بدون دملج ذهبي، كونه يسعد بسماع: «كم هو أخ بار، يحتفي بإخوته على حساب ابنائه».
يخالها محمدة، ثم يكتشف أن ابنه يسرق لاحتياجه لحذاء قيّم أُهدي لعمه فيما يرتدي هو المقلد.
يسرق لشراء جوال كما أقرانه فيما هو محروم.
يسرق لكونه يتوق لنعم يراها تمنح فقط لأعمامه
وينسى الأب أن: «كَفي بِالمرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يعول».
-وبالمثل، آباء خذلوا بناتهم حين يلجأن إليهم هربًا من بطش أزواج قساة، فيجاهر الأب بالضغط على بنته بإعادتها لسجن الزوجية لتذوق سوء العذاب، ليعنون هو بين محيطه بالحكيم، فيما كانت نيته التهرب من كفالة ابنته ماديًا.
وأشهر قصص التلاعب بالنوايا مالك حانوت تصليح الساعات الذي مات ولده، فسارع بنعيه بالجريدة على هذا النحو: «فلان ينعي ابنه ويصلح ساعات».
كم من «فلان» تلاعب بنواياه بالدعوة إلى الله وبالتسويق للدجاج.
وكم من شخص تبرع لبناء دور للأيتام، ليعفى من الضرائب بالوقت ذاته.
-وترى من يُجاهر بعلاقاته المحرمة والتي ربما لم يقترفها لفقره، لكنه يشَهِّر بنفسه أملًا في الشهرة بين الناس بالفحولة.
فيما تحجم بعض النساء عن الفاحشة، لا اشمئزازًا من الفحش، لكن لخوفها من رفض المجتمع لأنثى مستهترة، إذ تعيش بمجتمع يرجم الزانية فيما يرحم الزاني. وشتان بين من لا يقرب الزنا لرفضه التلاعب بالأنساب، خراب بيوت أواستحلال مواريث، فيما آخر لا يزني خوفًا من رفض مجتمعي. فنية تقوى الله مفقودة في الحالة الثانية.
-وكم من ممثلات أعلن عن توقفهن عن أداء أدوار الإغراء، لحرصهن على ألا يشاهدهن أبناؤهن في مشهد خادش للحياء، أما خشية رؤية الله لهن في مشهد مخز، فلم ترد على ألسنتهن من الأساس.
-تسمع عن أم خسيسة تتستر على مغتصب ابنتها بدعوى الستر، فتتعايش مع المغتصب، فيما تكون النية الحقيقية لهذه الجريمة لا الستر، بل التستر على إهمالها لابنتها، بدليل أنه لو كان المغتصب من طرف زوجها، فستصرخ صرخة زكي طليمات بفيلم الناصر صلاح الدين: «قتلوا ريتشاااااااااارد.. وبسهم عربي!» ستفضح المغتصب من طرف زوجها كون ذلك سيخولها التخلص من عصبة أهل الزوج عن آخرهم بضربة جزاء مضمونة كما ستكون مطمئنة على نفسها. فيما ستختار ستر المغتصب الذي من طرفها خوفًا على نفسها من المجتمع، لا خوفًا على صغيرتها، وليس بنية الستر.
-هلت الأعياد، ومعها المعايدات التي سيكون معظمها رسائل مجانية، ثم ستتفاجأ بمن يهاتفك لأن صوتك وحشه، ستفرح.
حنانيك، فثوان وسيرمي لك محاورك بخبر خسارة تجارته، تهشم سيارته، موت كلبته وضياع أرصدته.
ولزيادة عيار «الصعبنيات» سيطلعك على الجراحة المفترض إجراؤها لولا افتقاره لتكاليفها، وستعرض عليه المال، وسيقتنصه. وستدرك يا ولدي حين يمر العمر أن أخا العسرات واحد، وألف أخ في الرخا يهاتف. قلة من يدركون أن النية هي خام الحقيقة، هي وقفة مع النفس لتحديد جذر الهدف، والأقل من يمتنعون عن التلاعب بنواياهم.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي