كتاب وأراء

المسلسلات الرمضانية للشؤون المعنوية

يبدو أن التطور لا يقف عند حد.. فحتى الاستبداد يمكن أن يكون أكثر تطوراً، وتنوعاً، واستخداماً لأدوات العصر.. حتى أصبحت أجهزة الأمن، والاستخبارات هي من تفصل المسلسات الرمضانية مثلاً على هواها، وما يراد للشعب أن يفهمه، ويصدقه خاصة في دولة كمصر لم يترك فيها الفقر، والانشغال بالبحث عن لقمة العيش فرصة للوعي، وإدراك الحقيقة.
عندما كنا صغاراً كان هناك مسلسل واحد في رمضان يلتف حوله الجميع لنستمتع بحدوتة اجتماعية شيقة، تتصاعد أحداثها كل يوم، ونعيش معها بعاطفتنا، وأمنياتنا حتى آخر حلقة.. لم نكن حينها نملك أصلاً من المرئيات أبعد من هذا الحد. وقد تاب أغلبنا عن مشاهدة المسلسلات الرمضانية بعد أن تكاثرت حد الوفرة، ودخلت في ميدان التنافس غير الشريف على حساب القيم، والأخلاق بدءاً من ارتفاع وتيرة العري التي صدمت المشاهد في البداية كون ذلك يحدث في رمضان تحديداً ثم اعتادها إلى قصص المسلسلات التي لا تمت إلى واقع مجتمعاتنا بصلة مع ما تحمله من أفكار مسمومة تضرب في عمق القيم الأخلاقية.. وقد برزت الكثير من الأصوات الإصلاحية المؤثرة مشكورة تدعو لمقاطعة هذه المسلسلات مع إيضاح آثارها السلبية.
ما أضيف مؤخراً أن المسلسلات أصبحت تستخدم في النزاعات السياسية، ولترقيد الشعوب، مع محاولة تلميع السلطات المستبدة، وصنع بطولات وهمية لأجهزة الأمن والمخابرات، وأصبح من كان يعد نجماً، وفناناً، ومن هذا الكلام مجرد موظف لهذه الأجهزة.
المسلسلات المصرية هذا العام بالأخص أمنيـة بامتياز كما تذكر التقارير، والبرامج التي تحدثت عنها.. للأمانة لم أر منها شيئاً سوى بعض اللقطات المصاحبة للتقارير، والبرامج المذكورة والتي كانت كافية جداً لتكشف المحتوي السياسي المخابراتي فيها، وما يراد من الناس الاعتقاد به، وتصديقه حتى وإن كان بعيداً كل البعد عن الحقيقة، والمنطق.. المهم أن يفرض على وعي الأغلبية هناك أن قطر، وتركيا دولتان إرهابيتان.. تجندان الجواسيس والإرهابيين لتخريب أمن مصر، وزعزعة استقرارها، وتطورها المتميز على يد السيسي، بينما يعمل أمن الدولة، وأجهزة المخابرات المصرية للتصدي لهذا الخطر القادم من أعداء الخارج بكل شجاعه، ودهاء يستدعي أحياناً التعاون مع جهاز المخابرات الصهيوني الجار.. في رسالة واضحة لتمرير هذا التعاون مع إضفاء بعض الرومانسية عليه من باب رفع الحرج.
مسلسل آخر يحاول تصوير أمن الدولة المتهم بعدد هائل من قضايا التعذيب، الإخفاء القسري بالجهاز المتهم بالإفك.. مع الإتيان بقصص حقيقية ومحاولة تكذيبها من خلال المسلسل كقصة زينب الفتاة المصرية التي نشرت قصتها قناة البي بي سي استجابة لنداء والدتها التي كانت تريد معرفة مصير ابنتها بعد إن دخلت دهاليز أمن الدولة ولم تخرج منها.. يبدو أن مسلسل الهبوط سيستمر ومازلنا سنرى المزيد لتحويل كل شيء في حياة المواطن العادي إلى أدوات يستخدمها المستبد لتدجين الشعب، وقتل روح الثورة، والكرامة فيها.
بقلم : مها محمد

مها محمد