كتاب وأراء

عصر الغفلة العربية ومستقبل القفلة الإقليمية

مع كثرة الهزائم والانتكاسات العربية انتشر تعبير «خروج العرب من التاريخ» وتحول إلى عنوان لكتب ومقالات وبات من الجمل الشائعة التي يرددها كثير من المثقفين بل وحتى بعض العوام. وبرغم ما في العبارة من واقعية لا تُنكر إلا أن فيها أيضاً سوداوية لا تخفى لأن من يخرج من التاريخ لا يعود ولن يكون له مكان إلا بين الأمم البائدة. ولهذا تعتبر مقولة الخروج من التاريخ متشائمة للغاية لأنها لا تترك حتى ثقب إبرة للأمل.
ومثل غريق يتعلق بقشة في عرض البحر لا بد للعربي أن يبحث عن تعبير آخر يصف به الحال الجاري بطريقة متوازنة لا تغفل من جهة حقيقة الانهيار دون أن تنفي من جهة أخرى أن العرب ما يزالون على قيد الحياة وقد تكون لديهم فرصة ولو محدودة للنجاة وتخطي حالة الانسداد التي وصلوا إليها. طريقة لا تبعث على التشاؤم المطلق مثلما هو الحال مع عبارة الخروج من التاريخ، ولا تبشر بأمل كاذب في انطلاقة كبرى وصحوة وبعث وكل ما إلى ذلك من كلمات مغشوشة.
ولعل تعبير «عصر الغفلة» يصلح بديلاً لوصف ما يعيشه العرب منذ أمد بعيد. فالعصر زمن ممتد يصف الكيفية التي يعيش بها البشر، أو بعضاً منهم، خلال حقبة طويلة. الأوروبيون مثلاً عاشوا بين القرنين الخامس والخامس عشر الميلاديين في العصور الوسطى ثم انتقلوا إلى عصر النهضة حتى القرن السابع عشر ومنه دخلوا إلى عصر الصناعة والحداثة. والعرب بدورهم انتقلوا من عصر إلى عصر ومن طور إلى طور إلى أن انتهوا إلى عصر الغفلة الذي يمكن الاختلاف على بدايته لكن لا يمكن الاختلاف كثيراً على أنه وصل إلى ذروته في القرن الحادي والعشرين.
فذروة الغفلة أن تجد العرب وهم يتخاصمون بشدة مع بعضهم ويتقاربون بسرعة مذهلة مع إسرائيل. أن يتحولوا من «لاءات» الخرطوم الثلاثة في 1967 حيث لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع الكيان الصهيوني إلى مبادرة عربية في 2002 توسلت السلام ثم إلى ممارسات رخيصة في الحاضر تتسول التطبيع. أن يحيلوا الصديق إلى عدو والعدو إلى نصير. أن يعتبروا كرامة المواطن كماليات وحقوقه ذريعة يستغلها الخارج للتدخل في شؤون حكومات المنطقة.
لكن ذروة الغفلة تتمثل في تجاهل التدني المستمر لمكانة أكثر البلدان العربية على مختلف مقاييس التعليم والصحة والإدارة. غفلة عن حكم القانون وعن الفساد. غفلة عن حسم سريع لما بين العرب من تناقضات صغرى وكبرى حتى لا يُسمح للدخلاء بالتحكم في شؤونهم. إنه زمن كامل من غفلة عن معنى الدولة والقانون والقيم والقيمة. عن الهوية التي تكونت عبر التاريخ وعن الشرعية التي لا تمنحها إلا الشعوب. غفلة عن الذات وعن ما يجري في العالم من تطورات. غفلة شملت كل التيارات سواء التي بشرت بالصحوة أو وعدت بالبعث أو رفعت رايات الدين والقومية والوطنية.
والغريب في عصر الغفلة العربية أن العرب لم يكونوا محل غفلة من الآخرين. فقد جاءهم الأوروبيون من قرون سعياً وراء المواقع والموارد وما زالوا يأتون إليهم إلى اليوم. أما العرب فقد تسببوا بغفلتهم في قفلة إقليمية محبطة لا يعرفون كيف يخرجون منها. فهم بموقعهم الجغرافي وثقلهم السكاني يمثلون نظرياً القلب الاستراتيجي للشرق الأوسط. أما عملياً فباتت قوى الجوار مثل تركيا وإيران وأثيوبيا وإسرائيل مراكز ثقل تدور حولها سياسات المنطقة.
وسوف يستمر عصر الغفلة طالما استمرت السياسات العربية تثير صراعات وانقسامات لا طائل من ورائها. وبرغم ذلك يبقى «عصر الغفلة» برغم عذاباته وصفاً أهون من إعلان الخروج من التاريخ. فلربما بقي بصيص ولو ضئيل من الأمل بإمكانه أن يتحول إلى طاقة نور تنهي عصر الغفلة وتكسر حالة القفلة التي يعيشها العرب. إلا أن لذلك علامات من بينها اثنتان هامتان. أولها تمكين ذوي الخبرة والمصداقية وإبعاد ذوي الغرض والألسنة السليطة والمنافقين الذين وجدوا في الغفلة مرتعاً مكنهم لعقود بل وقرون. وثانيها أن تعترف السياسة العربية عملياً بالمجتمع وأن السيادة لا تكون إلا للشعب حتى لا يُقهر إنساناً واحداً. فالفرد لن يغفل لو امتلك الثقة في نفسه. لكنهما إلى الآن علامتان غائبتان. فأهل اليقظة غير محبوبين ولا يرحب بهم. والحكومات تتصرف على أنها صاحبة سيادة وسيطرة مطلقة حتى على أصغر حقوق وشؤون الأفراد. وبرغم أن عصر الغفلة العربية ما يزال إلى الآن قادراً على إعادة إنتاج نفسه وتكرار آلامه إلا أن الامل في تخطيه سيبقى قائماً حتى ولو من باب الرغبة. ومن يعرف ما في الخروج من التاريخ من ذل وهوان سيبقى متمسكاً بأي رغبة حتى لو كانت استمرار عصر الغفلة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات