كتاب وأراء

حرب الفساد ومنظومة النزاهة


- 1 -
الرَّجل يتَّصل بي هاتفيَّاً، بحماسٍ مشوبٍ بالحذر، يقول إن في يده مستنداتٍ خطيرة، تكشف عمليات فساد مُنظَّم، في مرفق حكومي بالسودان، يريد أن نُفجِّرها داويةً على صفحات الصحف.
رحَّبْتُ بالمُكالمة والتّعامل مع الملف، حسب صِحَّة المعلومات الواردة من المصدر.
- 2 -

اختفى الرَّجل لأشهر، ثم عاودني بالاتصال، ليقول إنه الآن بالخرطوم.
حدَّدتُّ له موعداً، فجاء في الميقات المعلوم، طالبني بإغلاق باب المكتب، وحين فعلت بدأ يروي قصته: مُؤسَّسةٌ حكومية، يتواطَأ قادتُها وبعضُ كبار مُوظَّفيها في نهب المال العام، لعبٌ بالفواتير والميزانيات وغير ذلك، حتى المُراجع الداخلي كان عضواً في الشبكة الإجرامية.
التفاصيل مُثيرة، ومُحدِّثي مُحيطٌ بكُلِّ الدَّقائق، إحاطةً شاملةً لا تتأتَّى إلّا لشخص قريب جدَّاً من هذا الملف، أو من الوالغين فيه، رغم أنه لا يملك الأوراق التي تُثبت كُلَّ ما يقول.

- 3 -

خَطَرَ لي سؤالٌ قبل فتح الباب المُغلق: (لماذا انت مُتحمِّس للموضوع، إلى هذه الدرجة من الاهتمام).
انتفض الرَّجل، وغضب من سؤالي، وردَّ عليَّ بصوتٍ مُرتفع: هذا مال الشعب، ولا بدَّ من الدفاع عنه بواجب الدِّين والضمير.
لم أشْتَرِ منه تلك الإجابة. قلت له: إذا لم تصدقني القول، فلن أتعامل مع الملف.
صمت فترة، ثم واصل حديثه، بصوتٍ مُنخفض: (كنت مع هذه الجماعة، بحكم أنني مدير الحسابات كانت الأمور تمضي بصورة جيدة، فجأة تم نقلي لمكان آخر، اعتبرت ذلك مؤامرة، وكان لا بدَّ لي أن أُفسد عليهم ما يطبخون ويأكلون).

- 4 -

تذكَّرْتُ واقعة عمليات الفساد الجماعي المنظم، وأنا أطَّلع على خطاب الرئيس عمر البشير في البرلمان، وهو من أفضل خطاباته على الإطلاق، في الحديث عن مُحاربة الفساد ومُطاردة القطط السمان.
الرَّئيس تحدَّث لأوَّل مرَّة عن شبكات الفساد المُنظَّمة، وذات الصلة بالجهاز المصرفي، وقال بصريح العبارة إن مُحاربة الفساد لن ينجو منها أحد من المُتورِّطين.
بنظرةٍ على قائمة المُحتجَزين قيد التحرِّي، ستكتشف جديَّة هذه الحرب التي لم يسلمْ منها حتى بعض أقرباء قيادات في الدولة والحزب.
إعلان رئيس القضاء السوداني مولانا حيدر دفع الله، تشكيل محكمة مُختصَّة بقضايا الفساد، خطوةٌ شجاعةٌ يجب الوقوف معها وعدم تبخيسها، إلا إذا ثبت عدم جدواها في واقع العمل، لا في حيِّز النوايا والظنون.

- 5 -

من المُهمِّ مُشاركة جميع السودانيين في دعم هذه الحملة، إلى أن تصل إلى منتهاها.
وحتى تُسهم الحكومة في ترسيخ ثقافة مُكافحة الفساد، وتنفي عنها شُبهة تصفية الحسابات السياسية، عبر سكِّين مُحاربة الفساد، ويجب أن يكون هذا التوجُّه توجُّهاً عاماً وشاملاً، لا حملات مُؤقَّتة بزمن، ومُحدَّدة بأشخاصٍ مُنتقين.
الفساد تمكَّنَ وقويَ وتحوَّلَ من تجاوزات أفرادٍ إلى عمل جماعي مُنظَّم، وذلك لضعف منظومة النزاهة في الدولة السودانية، لعدم وجود المُحاسبة الدقيقة والعقاب الرَّادع.
استمرار ضعف منظومة النزاهة وانخفاض مستوى الشفافية، هو ما يجعل بيئة الدولة السودانية حاضنةً جيِّدةً للقطط السمان وفئران الخراب.

– أخيراً –

الأهم من اصطياد القطط السمان، إغلاقُ منافذ الإمداد التي تسمح بتسمين قططٍ أُخرى، ومحاربة الظاهرة في طورها الأوَّلي، قبل الوصول لمرحلة السمنة والتمكين، وقبل أكل اللحم وشُرب اللبن وانكسار الإناء.
أهل الصِّحة يقولون إن الوقاية خير من العلاج، وأهل الإدارة يُقرِّرون أن الحماية أجدى من العقاب، ولأهل المحروسة نصيحة راسخة (حرِّص وما تخوِّن)، ولأهلنا في السودان حكمة ناجعة (المال السايب يعلِّم السرقة).
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال