كتاب وأراء

الأقاليم ناقصة الشرعية ومسؤولية الكيانات المناقرة والكيانات المغامرة

الشرعية هي الرضاء بما عليه الحال والقبول بالأوضاع كما هي على الأرض. والناس لا تمنح رضاها إلا إذا وجدت أن الأوضاع جيدة. وعادةً ما يرتبط مصطلح الشرعية بأداء الحكومات ومقدار ما تتمتع به من استحسان المجتمع. فبحسب مقدار الاستحسان تكون الحكومات إما مقبولة وشرعية أو مرفوضة ومنعدمة الشرعية. لكن الشرعية مصطلح واسع بات يتخطى الداخل الوطني إلى ما هو إقليمي بل وحتى دولي. فقياس الرضاء يمكن أن يطبق على النظم الإقليمية لمعرفة مقدار ما تتمتع به من قبول وشرعية.
وبعض هذه النظم يتمتع بالشرعية بينما يفتقر البعض الآخر إليها لأنها لا تتمتع باستحسان الدول والمجتمعات الواقعة فيها ولا بقبول غيرها من باقي دول العالم. أقاليم يمكن اعتبارها ناقصة الشرعية يسعى بعض من فيها وبعض من هم من خارجها إلى تغييرها وإعادة ترسيمها لكي تستعيد من جديد شرعيتها.
وبعيداً عن أية عاطفة، فالمنطقة العربية واحدة من الأقاليم ناقصة الشرعية. تشكيلها وتكوينها وطريقة عملها لم تعد محل رضاء لا من العرب أنفسهم ولا من كثيرين حولهم سواء في الشرق الأوسط أو حول العالم. فهناك دول عربية غزت أو حاصرت دولاً عربية أخرى بجانب حالات لا نهاية لها من تدخلات واختراقات ومؤامرات. إنه نظام إقليمي ليس فقط غير مستقر وإنما غير شرعي. لا يحظى برضاء سكانه لأنه لا يوفر لهم أمناً ولا برضاء جيرانه لأنه بات يمثل لهم تهديداً.
ومع أن النظم الإقليمية كثيراً ما تضعف بسبب التدخلات الخارجية إلا أنها تضعف قبل ذلك بسبب هشاشتها الذاتية والممارسات العقيمة لأعضائها. الأقاليم ناقصة الشرعية لم يصنعها الاستعمار، كما تروج أدبيات اليسار، وإنما وجدت من قبل وصوله. المنطقة العربية مثلاً تاريخها كله مليء بصراعات ومؤامرات ومكايدات بين أهلها وقعت قبل أن يأتيها الرجل الأبيض، الذي زادها سلبيات بسبب حماقاته ومؤامراته وسوء تصرفاته. وها هي اليوم تغرق في أوضاع مزرية من صنعها تؤكد أنها باتت من الأقاليم ناقصة الشرعية إن لم تكن منعدمة الشرعية.
ولم يكن غريباً في منطقة تغص بحكومات غير شرعية تحكم بالحديد والنار وليس بالحب والإنجاز أن يتحول الإقليم بأكمله إلى منطقة ناقصة الشرعية. فلكي يكون نظام إقليمي ما نظاماً شرعياً يجب أن يتمتع أعضاؤه أولاً بالشرعية. النظام الإقليمي لغرب أوروبا مثلاً ما كان ليكون شرعياً يرضى به أعضاؤه بل وينشأ بينهم اتحاد أوروبي إلا لأن حكومات تلك المنطقة تتمتع بقبول ورضاء وتأييد طوعيين من قبل مواطنيها.
أما الأقاليم ناقصة الشرعية فتكثر فيها التكوينات السياسية غير الشرعية وغير المشجعة على الاستقرار. وللتبسيط يمكن جمع تلك التكوينات في حالة المنطقة العربية في مجموعتين كبيرتين.. إحداهما مجموعة الكيانات المناقرة وهي أكثر عدداً من المجموعة الأخرى أو مجموعة الكيانات المغامرة. أما الكيانات المناقرة فتتكلم كثيراً وتثرثر عبر الصحف ومختلف وسائل الإعلام التي راحت ترغي وتزبد لتوحي بأن مالكيها ومشغليها هم الأفضل والأقوى والأعلى وأن كل من عداهم يقلون عنهم درجات. ولم تضيع تلك الكيانات المناقرة منتدى أو مؤتمراً أو أية فعالية إقليمية أخرى إلا وأثارت من خلالها الفوضى طارحةً ما لا يصدق أو يعقل. تناقر بالكلام وبتصرفات صبيانية ساذجة مستفزة لا تتيح لأهل الإقليم الفرصة ليناقشوا قضاياهم الكبيرة بعقلانية وإنما تدفعهم إلى تبادل المناقرة معها.
إلا أن الأسوأ من الكيانات المناقرة كيانات أخرى مغامرة خططت للغزو فجلبت على نفسها وعلى المنطقة تدخلات أجنبية مهلكة. كيانات لديها أطماع جغرافية في دول عربية أخرى تبررها للغرابة باسم العروبة والوحدة والمحبة. تُغامر فتشن حروباً وتدعم جماعات مارقة وتنظيمات متطرفة. تبيع نفسها لقوى دولية أملاً في أن تحظى بغطاء ودعم خارجيين يمكناها من تنفيذ مغامراتها الإقليمية.
والمجموعتان معاً، المناقرة والمغامرة، يشتركان في حب المقامرة. ولا يمكن لمنطقة فيها كثير من المناقرين والمغامرين أن تنتعش أو تستقر. وحدها الأقاليم كاملة الشرعية هي التي تضم كيانات مؤثرة ومبهرة تجلب الأمن وتحقق الاستقرار. أما الأقاليم ناقصة الشرعية فتتفشى فيها روح المقامرة والمعايرة وتتعدد فيها القوى المدمرة والحائرة التي تتصرف بحماقة فتنتقص من شأن بعضها وتسخر من كل ما يفعله غيرها. في مثل هذه الأقاليم التي لا يحبها أهلها ويخاف منها العالم لا يتبقى حل لها إلا بإعادة تشكيلها وبالتدخل فيها لإرساء قواعد جديدة قد تستعيد ما عجزت القواعد القديمة عن تحقيقه. لكن المصيبة أنه ما من مرة أعيد فيها تشكيل منطقة ناقصة الشرعية مثل منطقتنا إلا وأدى ذلك إلى مزيد من الفوضى والغضب. وهي لذلك قد لا تكون فقط منطقة ناقصة الشرعية بل ربما منطقة عصية من الأصل على الشرعية.


بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات