كتاب وأراء

الولاية الثانية للسيسي

يستعد مجلس النواب المصري لاستقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي سيؤدي أمامه اليمين الدستوري إيذاناً ببدء فترة ولاية ثانية له تنتهي في يونيو من عام 2022، وللاستماع إلى خطاب يوضح فيه رئيس الجمهورية ملامح السياسات الداخلية والخارجية التي ينوي انتهاجها خلال تلك الفترة.. ولا شك أن لهذا الحدث أهمية خاصة من حيث الرمزية السياسية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يؤدي فيها رئيس الدولة قسم الولاء أمام ممثلي سلطة تشريعية منتخبة منذ ثورة يناير 2011.
فعند انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيساً للجمهورية في يونيو عام 2013، لم يكن في مصر مجلس منتخب يمثل السلطة التشريعية يتعين على رئيس الجمهورية المنتخب أن يؤدي قسم الولاء أمامه، لأن المجلس الذي كان قد تشكل عقب انتخابات 2012 تم حله لاحقاً بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك عقب صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا يقضي بعدم دستورية بعض مواد القانون المنظم لتلك الانتخابات.. ولأن الدكتور مرسي لم يرغب في أداء القسم أمام هذه المحكمة، فقد اختار أن يؤديه أيضاً، إلى جانب المحكمة الدستورية العليا التي اضطر في النهاية لأداء القسم أمامها، مرتين إضافيتين: الأولى في ميدان التحرير، رمز الثورة، والثانية في جامعة القاهرة، في احتفال خاص دعي إليه ممثلو المجتمع المدني.. وعند انتخاب السيسي رئيساً في يونيو 2014، لم يكن هناك أيضاً مجلس منتخب يمثل السلطة التشريعية، بسبب تلاعب أدخل على ترتيب الأولويات في خريطة الطريق كي تأتي الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية، مما اضطر السيسي لأداء القسم في بداية ولايته الأولى أمام المحكمة الدستورية العليا.
في سياق كهذا، من الطبيعي أن يحاول أنصار النظام الحالي تصوير إقدام رئيس جمهورية مصر العربية على أداء قسم الولاء أمام سلطة تشريعية منتخبة، لأول مرة منذ أكثر من سبع سنوات، وكأنه يشكل دليلاً دامغاً على أن مصر تعيش «عصر ما بعد مبارك»، وتتمتع بنظام سياسي مستقر قابل للدوام، ويؤكد أن مرحلة الاضطراب السياسي التي أعقبت ثورة يناير ولت إلى غير رجعة. غير أن خصومه سوف يبذلون قصارى جهدهم للتشكيك في صحة هذه المقولة، بالتأكيد على استحالة أن يكون نظام كهذا هو ما سعت لتحقيقه ثورة رفعت شعارات الخبز والحرية والكرامة الإنسانية، ولا شك أنهم سيعثرون على حجج عديدة تبرر وجهة نظرهم هذه، منها: 1- أن أياً من شعارات الثورة لم يتحقق، بل إن أوضاع الخبز والحرية والكرامة الإنسانية تبدو حالياً أسوأ بكثير، مما كانت عليه عشية اندلاع الثورة.
2- أن الأزمة التي تواجهها مصر على كافة الأصعدة تبدو حالياً أكبر من قدرة النظام الحاكم على تجاوزها.. فعلى الصعيد السياسي يواجه هذا النظام معارضة يتسع نطاقها يوماً بعد يوم وليس لديه في مواجهتها سوى المزيد من القمع والتسلط.. وعلى الصعيد الاقتصادي يبدو الأداء مرتبكاً إلى درجة خطيرة، خصوصاً في ظل الاستدانة من الخارج والتي وصلت إلى درجة غير مسبوقة تنذر بالخطر.. وعلى الصعيد الاجتماعي تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلى درجة باتت تهدد بانفجار ثورة جياع.
غير أن الأزمة التي يواجهها النظام السياسي حالياً، والتي من المتوقع أن تتعمق كثيراً خلال فترة الولاية الثانية، لا تتعلق بنخبته الحاكمة وحدها وإنما بمجمل مكوناته، حكومة ومعارضة. فافتقار المؤسسات الحاكمة إلى رؤية سياسية قابلة لإخراجه من أزمة تتعمق يوما بعد يوم، يقابلها افتقار اشد على صعيد قوى معارضة لا تملك بدورها رؤية قادرة على إيجاد بديل سلمي للنظام القائم.
افتقار النخبة الحاكمة لرؤية قادرة على إخراج النظام السياسي من أزمته المتفاقمة قد يدفع النظام الحالي للهروب إلى الأمام، بالعمل على تعديل الدستور لإطالة مدد الرئاسة أو فترة الولاية، الأمر الذي نعتقد أنه سيساعد على تفاقم الأزمة وليس حلها. وافتقار النخب المعارضة إلى رؤية بديلة قادرة على إحداث التغيير المطلوب بالطرق السلمية يضع المجتمع المصري كله أمام مستقبل مجهول.
على النظام السياسي بجناحيه، الرسمي والمعارض، أن يسعى للبحث عن مخرج يجنب المجتمع المصري مخاطر الانفجار والفوضى.. لذا من مصلحة السيسي أن يفكر منذ الآن عن شكل ومضمون هذا النظام في مرحلة بعد انتهاء فترة ولايته الثانية، وأن يتصرف بمنطق مختلف عن منطق «أنا ومن بعدي الطوفان».

بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة